
مع كل تصاعد للعنف في فلسطين تمتلئ النقاشات بتفسيرات درامية عن انهيار النظام العالمي أو تحولات مفاجئة ستقلب موازين الصراع فجأة هذه السرديات تمنح شعورا مؤقتا بالراحة لأنها توحي بأن حلا خارجيا ضخما قادم لا محالة و لكن الواقع أقل درامية بكثير وأشد قسوة القضية الفلسطينية لم تعد أولوية حل لدى القوى الكبرى بل تحولت إلى ملف يجب احتواؤه بأقل تكلفة خصوصا عندما يتعارض أي حل جدي مع أمن إسرائيل أو مصالح واشنطن.
نهج السياسة الأميركية في إدارة الصراع يكشف بصراحة فجة ان الأقوى يفرض الوقائع على الأرض والأضعف يُطلب منه التعايش معها ، لا دولة فلسطينية حقيقية في الأفق ولا ضغط فعلي على إسرائيل ولا استعداد لدفع كلفة سياسية أو عسكرية من أجل العدالة و هناك فقط إدارة للصراع و تبريد مؤقت للجبهات ومنع لانفجار كبير قد يحرج واشنطن أو يربك حلفاءها.
لكن المشكلة الأعمق أن الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتحليلات السياسة الأميركية تكون إسرائيل قد أنهت نصف المعركة على الأرض ففي الضفة الغربية تتسارع إجراءات عملية تغيّر الواقع يوميا من خلال قرارات اسرائيلية منها رفع السرية عن سجلات الأراضي لتسهيل استحواذ المستوطنين عليها و تعديل إجراءات التسجيل لتسريع إعلان مساحات واسعة “أراضي دولة” و تقليص القيود القانونية أمام التوسع الاستيطاني و تمكين الجيش الإسرائيلي من الهدم والتدخل حتى في مناطق تحت إدارة السلطة الفلسطينية المناطق المصنفة A,B.
هذه الإجراءات ليست قرارات إدارية عابرة بل خطوات متدرجة نحو ضم فعلي صامت ينقل الضفة من حكم عسكري مؤقت إلى سيطرة مدنية إسرائيلية مباشرة ويجعل أي حل مستقبلي مستحيلا جغرافيا بينما تتوسع المستوطنات و تُعزل القرى و تُخنق المدن وتُفرغ السلطة الفلسطينية تدريجيا من محتواها.
المشكلة أن الفلسطينيين مثل كثيرين في المنطقة أمضوا عقودا وهم يراهنون على حلول خارجية من خلال وسيط أميركي “نزيه” و الرباعية و ضغط دولي حاسم أو موقف عربي موحد و التجربة الطويلة أثبتت أن هذه الرهانات كانت أقرب إلى الأماني منها إلى السياسة الواقعية و المفاوضات منذ أوسلو استُخدمت لإدارة الاحتلال بدل إنهائه والأنظمة العربية غارقة في أزماتها والقوى الدولية تتعامل مع فلسطين كورقة صراع لا كقضية تحرر.
في هذا الواقع يصبح السؤال عن البدائل سؤالا داخليا قبل أي شيء آخر و نحن لسنا في مرحلة “فرض حل” بل في مرحلة صمود وإدارة واعية للوقت و كسب الوقت هنا ليس انتظارا سلبيا بل تعطيل الحسم الإسرائيلي ومنع تحويل الهزيمة إلى نهاية نهائية للتاريخ الفلسطيني.
كسب الوقت يعني الحفاظ على الوجود أولا و بقاء الفلسطيني على أرضه و وقف الابادة و القتل الجماعي و منع التهجير و حماية النسيج الاجتماعي والاقتصادي وعدم السماح للاحتلال بأن يتحول إلى واقع طبيعي معتاد و أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية تحرر ليس القمع بل الاعتياد على القمع. إسرائيل تراهن على التعب والزمن وعلى أن ينهك الفلسطينيون قبل أن تنهك هي و الصمود اليومي مهما بدا صامتا هو في ذاته إفشال لهذه الرهانات.
وفي هذا السياق تصبح الوحدة الوطنية ضرورة عملية لا شعارا أخلاقيا و الانقسام لم يعد مجرد خلاف سياسي بل تحوّل إلى أداة بيد الاحتلال لإدارة كل جزء على حدة والادعاء الدائم بأنه “لا يوجد شريك” و من دون إعادة بناء قيادة موحدة وقادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية ستظل كل أشكال الصمود منقوصة وقابلة للاحتواء.
أما المقاومة الشعبية الطويلة النفس — من عصيان مدني، إضرابات، مقاطعات، وملاحقات قانونية وحقوقية — فهي أدوات ضرورية في معركة غير متكافئة عسكريا و الاحتلال لا ينهار بضربة واحدة بل حين يصبح عبئا دائما سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا هذه الأدوات لا تصنع عناوين صاخبة كل يوم لكنها ترفع الكلفة تدريجيا وتمنع تثبيت الاحتلال كأمر طبيعي في الوعي العالمي.
التحولات الدولية بدورها ليست منقذا جاهزا و الصين وروسيا لن تخوضا مواجهة مع واشنطن من أجل فلسطين و عالم أقل أحادية قد يفتح هوامش للمناورة لكنه لا يقدم حلولا سحرية هذه ليست بدائل بل أدوات يمكن استخدامها بحذر من دون أوهام.
ومع استمرار الاستيطان وتآكل إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا يبرز نقاش صعب حول شكل الحل النهائي لكن في هذه اللحظة تحديدا يبدو أن السؤال الأكثر إلحاحا ليس ما هو الحل؟ بل كيف نمنع تثبيت الواقع الحالي كنهاية للتاريخ الفلسطيني؟.
في النهاية لا الإدارة الأميركية ولا أي قوة خارجية ستحرر الأرض ولا حرب إقليمية ستجلب العدالة البديل الحقيقي اليوم أكثر تواضعا وأشد صعوبة و هو صمود طويل و إدارة واعية للوقت و بناء قوة داخلية واستنزاف سياسي وأخلاقي للاحتلال إلى أن تتغير الظروف فجأة أو تدريجيا فالتاريخ لا يمنح فرصه لمن ينتظر بل لمن يبقى واقفا حين تحين اللحظة.