
صدى نيوز - مع اقتراب المساء، لا يطوي عبد الواحد يحيى يومه الوظيفي في وزارة الصحة بالعاصمة المؤقتة عدن، بل يبدأ دواما ثانيا في مطعم شعبي قريب، يمتد حتى منتصف الليل، في محاولة للحصول على دخل إضافي يخفف من وطأة أعباء معيشية لم يعد راتبه الحكومي قادرا على تغطيتها.
عبد الواحد، مدير الأرشيف في وزارة الصحة، يتقاضى راتبا شهريا يبلغ 73 ألف ريال يمني (نحو 40 دولارا)، ويعيل أسرة مكوّنة من 9 أفراد.
يقول للجزيرة نت إن الراتب "لا يصمد أمام متطلبات الحياة سوى أيام قليلة"، وحين يُسأل عمّا يستطيع توفيره بهذا المبلغ، يرد قائلا "لا يكفي إلا لشراء كيس أرز ودبّة زيت".
قبل نحو 10 سنوات، كان راتبه يعادل قرابة 300 دولار، وكان كافيا لتأمين احتياجات أسرته الأساسية. أما اليوم، ومع الانهيار المستمر للعملة المحلية وارتفاع الأسعار، فقد تحوّل الراتب إلى رقم بلا قيمة حقيقية، مما دفعه -كما يقول- إلى الاستدانة بمليوني ريال يمني من أقارب وأصدقاء خلال السنوات الماضية، دون أن يتمكن من سدادها حتى الآن.
ورغم ساعات العمل الطويلة بين وظيفتين، فإن عبد الواحد يؤكد أن ما يجنيه يغطي بالكاد الضروريات اليومية، دون قدرة على الادخار أو سداد الديون، وهي معاناة لا تخصه وحده، بل تمتد إلى آلاف الموظفين الحكوميين في اليمن الذين تآكلت رواتبهم بفعل سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية المستمرة.
تداعيات الصراع
وتعكس هذه المعاناة تداعيات الصراع على موظفي الدولة على نطاق أوسع. فمنذ اندلاع الحرب عام 2015، أصبح الموظف الحكومي من أكثر الفئات تضررا، مع تراجع دور الدولة وتفكك منظومتها المالية. وفي ظل استمرار الانقسام السياسي وغياب تسوية شاملة، لم يعد الراتب الحكومي دخلا ثابتا، بل تحوّل إلى مؤشر على عمق الأزمة الاقتصادية في بلد تتعدد فيه السلطات وتتباين السياسات المالية.
وأدى هذا الواقع إلى تفاوت حاد في أوضاع الموظفين بين مناطق السيطرة المختلفة، ففي المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، توقفت رواتب مئات الآلاف من الموظفين أو تُصرف بصورة متقطعة، بينما فقدت الرواتب في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية جزءا كبيرا من قيمتها بفعل انهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار. وفي كلتا الحالتين، لم يعد الراتب قادرا على توفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
ومع تآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر، لم يجد آلاف الموظفين خيارا سوى البحث عن مصادر دخل بديلة خارج الوظيفة الحكومية والبحث عن مشاريع ومبادرات ولو فردية، في حين بقي موظفو قطاعات حيوية، وعلى رأسها التعليم، أسرى ضعف الأجور وغياب البدائل، في صورة تعكس حجم الاختلال الاقتصادي القائم.
قصص قاسية
وفي واقع الحياة اليومية، تتجسد هذه المعاناة في قصص شخصية أكثر قسوة، من بينها حياة أمين عبد السلام، موظف حكومي نازح من إحدى مناطق سيطرة جماعة الحوثي إلى عدن، يقضي يومه في العمل بمكتب التثقيف الصحي في المدينة، في حين ينشغل ذهنه بحساب كلفة المعيشة في واقع لا يوفّر بدائل حقيقية للدخل.
ويؤكد أمين للجزيرة نت أنه منذ نزوحه من صنعاء، حيث كان يعمل في وزارة الصحة، لم يتقاضَ أي راتب منذ نحو 3 سنوات، وهو ما خلّف آثارا قاسية على الاستقرار المعيشي والنفسي لأسر كانت تعتمد على الراتب الحكومي مصدرا وحيدا للدخل.
ويضيف أن حياة آلاف الموظفين النازحين باتت أقرب إلى "محاولة للبقاء" منها إلى معيشة طبيعية، في ظل انقطاع الرواتب وغياب أي مصادر دخل مستقرة، مشيرا إلى أن كثيرين اضطروا إلى الاستدانة أو تقليص احتياجاتهم إلى الحد الأدنى، بما في ذلك الوجبات اليومية.
واقع أكثر قتامة
وفي المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي تبدو الصورة أكثر قتامة. فالمعلم يوسف علي حسن، من محافظة ذمار، يختصر واقع زملائه بالقول: "الراتب لا يكفي"، موضحا للجزيرة نت أن ما يتقاضونه لا يُعد راتبا بالمعنى الحقيقي، بل نصف راتب يُصرف أحيانا كل شهرين.
ويضيف يوسف أن هذا المبلغ، الذي لا يتجاوز 30 ألف ريال يمني، يُنفق خلال أيام قليلة على أساسيات البقاء، لتبدأ بعدها معركة الديون وانتظار المساعدات الإنسانية. وتحت ضغط الحاجة، اضطرت أسر كثيرة لدفع أبنائها إلى سوق العمل مبكرا، أو الاعتماد على تحويلات الأقارب في الخارج لتغطية متطلبات الحياة اليومية.
وفي حين لا تتوفر إحصاءات حديثة ودقيقة لعدد موظفي الدولة في اليمن، يشير تقرير الخدمة المدنية لعام 2014 إلى أن إجمالي الموظفين بلغ نحو 1.2 مليون، بينهم 472 ألف موظف مدني، و653 ألف عسكري وأمني، وما يقارب 125 ألف موظف في الوحدات الاقتصادية، إضافة إلى نحو 125 ألف متقاعد.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو مليون موظف حكومي يتركزون في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث يعاني كثيرون من تقطع الرواتب أو انقطاعها كليا منذ سنوات. في حين لا يتجاوز عدد الموظفين بمناطق الحكومة الشرعية 200 ألف موظف يستلمون رواتبهم بشكل شبه منتظم.
وفي المقابل، تكشف الأرقام حجم الفجوة المعيشية في المناطق الخاضعة للحكومة، إذ يتقاضى الموظف الحكومي راتبا يتراوح في المتوسط بين 60 و100 دولار شهريا بحسب سعر الصرف، في حين تشير تقديرات اقتصادية إلى أن كلفة المعيشة لأسرة متوسطة تفوق هذا المبلغ بأضعاف.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الواقع الذي يعيشه الموظف اليمني اليوم هو نتيجة انهيارات متراكمة في بنية الاقتصاد، أفقدت الأجور قدرتها على تغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وحوّلت الراتب الحكومي إلى دخل رمزي لا يحمي من الفقر.
وفي خضم هذا الواقع، شهد الريال اليمني تحسنا طفيفا الأشهر الماضية مقابل العملات الأجنبية في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات التابعة للحكومة.
ورافق هذا التحسنَ انخفاض محدود في أسعار السلع والمواد الغذائية، خصوصا بعد تشكيل الحكومة لجانا فنية للإشراف على الأسعار التي انخفضت بنسبة تصل إلى 40%، غير أن هذا يبقى وضعا هشا ما لم تتبعه إصلاحات مستديمة وجذرية.
تفسير رسمي
وفي هذا السياق، يؤكد فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية، للجزيرة نت، أن تدهور أوضاع الموظفين الحكوميين خلال السنوات الماضية يعود إلى تراكم 3 عوامل رئيسية:
انهيار قيمة الريال اليمني في كل المناطق، سواء تحت سيطرة الحوثيين أو الحكومة، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات التي ارتفعت بوتيرة تفوق أي زيادات محتملة في الأجور.
ارتفاع معدلات التضخم السنوي التي تراوحت بين 25% و47% منذ اندلاع الحرب، مما أدى إلى تآكل شبه كامل للقدرة الشرائية للرواتب.
عدم انتظام صرف المرتبات، إذ تغيب الالتزامات الثابتة في مناطق سيطرة الحوثيين، بينما تواجه الحكومة صعوبات في الالتزام بالصرف بسبب محدودية الموارد.
ويضيف النجار أن هذه العوامل مجتمعة جعلت الراتب الحكومي أقرب إلى "راتب رمزي"، دفع أعدادا متزايدة من الموظفين المدنيين والعسكريين إلى ما دون خط الفقر، في حين بات نحو 21 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينهم 19 مليونا يعانون انعدام الأمن الغذائي.
كما يوضح أن توقف صادرات النفط والغاز، التي كانت تشكل نحو 70% من موارد الدولة، إلى جانب ضعف تحصيل الإيرادات ووجود اختلالات مزمنة، مثل الازدواج الوظيفي والكشوفات الوهمية، أسهم في تعقيد أزمة الرواتب.
وفي ما يتعلق بالأجور والمرتبات، يشير النجار إلى أن فاتورة الأجور -وفقا لموازنة عام 2024- بلغت نحو 998 مليار ريال يمني، أي ما يعادل قرابة 611 مليون دولار. لكنه يؤكد أن هذا الرقم لا يعكس حجم الأزمة الفعلية، خاصة مع وجود متأخرات في الرواتب تراكمت لتصل إلى نحو تريليون ريال أو أكثر، مما زاد من الضغوط المعيشية على الموظفين وحوّل الراتب الحكومي من مصدر استقرار نسبي إلى عبء غير مكتمل لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
ورغم قتامة المشهد، فإن النجار يشير إلى أن الحكومة قامت ببعض الإصلاحات المالية والنقدية لتحسين الإيرادات وضبط السياسة النقدية، وأن هناك بوادر تحسن نسبي. لكنه يؤكد أن استعادة الراتب الحكومي لدوره -بوصفه حدا أدنى من الأمان المعيشي- مرهون باستقرار أوسع للمالية العامة واستمرار الإصلاحات، وإلا فإن الراتب سيبقى مجرد رقم يتآكل مع نهاية كل شهر.
المصدر: الجزيرة