يحيي حزب الشعب الفلسطيني في العاشر من شباط الذكرى الرابعة والاربعين لاعادة تاسيسه مستذكرا مسيرة طويلة من النضال الوطني والاجتماعي ، وهو في ذات الوقت يمضي في التحضير لعقد مؤتمره الخامس .

تمثل المادة المطروحة في هذه المقالة الحلقة الاولى من سلسلة حلقات تتناول العناصر الاساسية للاستراتيجية السياسية لحزب الشعب الفلسطيني على ضوء المتغيرات العاصفة التي تواجه القضية الفلسطينية والعالم . وهي مادة مطروحة للنقاش والتطوير على مستوى الجزب والحركة الوطنية وشعبنا بما يسهم  في توسيع النقاشات الفكرية والسياسية في الساحة الفلسطينية ،خاصة وان التعامل مع مختلف القضايا بعد السابع من اكتوبر وبعد الابادة الجماعية لا يمكن ان يكون كما هو قبلها
 
تهدف هذه الحلقة الأولى إلى تقديم تحليلٍ مركّز لمرتكزات هذه الاستراتيجية، لا بوصفها مجموعة مواقف ظرفية، بل باعتبارها إطاراً مرجعياً يتناول طبيعة التحول في الصراع، وشروط الفعل الوطني، والروابط الجدلية بين العدالة والتحرر والسيادة والإرادة الوطنية. وذلك في ظل تشابك غير مسبوق بين القضية الوطنية والمتغيرات الدولية العاصفة وصراعات القوة، ليس فقط على مستوى النخب والدول، بل أيضاً على صعيد الحركات الشعبية وصعود القوة الكامنة للقوى الاجتماعية والأجيال الجديدة، في سياق الانفتاح واستخدام أدوات التواصل الاجتماعي وأشكال التنظيم الجديدة.

---
  
أولاً: الإبادة بوصفها قضية مركزية تستدعي الملاحقة والعدالة
 
ينطلق فكر حزب الشعب الفلسطيني من اعتبار الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني مرتكزاً تحليلياً وسياسياً مركزياً، لا بوصفها جريمة راهنة أو تصعيداً في أدوات القمع فحسب، بل باعتبارها تحولاً نوعياً في طبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، واختباراً شاملاً لمنظومة العدالة الدولية وقدرتها على حماية الشعوب من الإلغاء الوجودي.
 
هذه الإبادة تعكس تشابكاً عميقاً بين بنية فكر وممارسة النخبة الرأسمالية المتوحشة وتطلعها لمواصلة الهيمنة، وبين النخب الصهيونية العالمية والإسرائيلية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من هذه الشبكة المهيمنة وقوتها على المستويين المحلي والعالمي.
 
أن تحليل البنية الاستعمارية الاستيطانية للمشروع الصهيوني قد دخل مرحلة جديدة نوعياً مع الإبادة الجارية، بما يتجاوز توصيفَي الأبارتهايد والاحتلال . حيث أعادت الإبادة الجماعية التواصل المباشر مع فكر وممارسة التطهير العرقي الذي رافق نكبة 1948، متجاوزةً بذلك المرحلة الممتدة منذ ذلك التاريخ وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي اتسمت بالاحتلال والأبارتهايد.
 
فالاحتلال والأبارتهايد، رغم عنفهما البنيوي، يقومان على إدارة وجود الشعب الفلسطيني من موقع الاضطهاد والتمييز والسيطرة، مع الإبقاء على هذا الوجود ضمن معادلة الهيمنة. أما الإبادة، فهي قطيعة مع هذا المنطق، إذ ترفض حتى هذا الشكل من "التعايش القسري"، وتحوّل التخلص من الشعب نفسه إلى هدف مركزي. وبذلك يعود المشروع الصهيوني إلى كونه مشروعاً فاشياً إلغائياً في ممارساته وأيديولوجيته وخطابه العلني.
 
وانطلاقاً من ذلك، فأن حصر توصيف الواقع الفلسطيني بخطاب الأبارتهايد وحده لم يعد يعكس المستوى الذي بلغته الفاشية الصهيونية، وأن الإصرار على هذا التوصيف دون تطويره يُخاطر بتحويل التحليل إلى تطبيع لغوي مع واقع الإبادة، بدلاً من أن يكون أداة كشف ومساءلة.
 
إن المظهر الأقرب لممارسة الإبادة الجماعية في المشروع الصهيوني يصلها بمظهر التطهير العرقي الذي طبع نكبة عام 1948، ويتجاوزها إلى مستوى الإبادة الجماعية من حيث عدم الاكتفاء بالإزاحة السكانية أو التهجير أو الهيمنة والتغييرات الديموغرافية في ظل الاحتلال، ويدفعها إلى مستوى الإلغاء الكلي وتدمير الجماعة البشرية. ورغم أن مظهر الإبادة الجماعية انحصر حتى الآن في قطاع غزة، بينما ظل مظهر الاحتلال والتوسع الاستيطاني والممارسات القمعية الأخرى يمثل الشكل الأبرز في الضفة الغربية، إلا أن ذلك لا يتناقض مع جوهر التحليل، وهو أن المشروع الصهيوني في مرحلته الراهنة بات يملك الطابع الإبادي الذي يمكن أن يلجأ إلى ممارسته في الضفة الغربية إذا ما سنحت الفرصة أو الذريعة، وحتى إن هذا الطابع الإبادي يمكن في مرحلة معينة أن يطغى على طابع الأبارتهايد القائم في العلاقة مع فلسطينيي الداخل.
 
إن تحول المشروع الصهيوني نحو الطابع الإبادي ليس انحرافاً استثنائياً، بل هو نتاج عملية طويلة من التحولات الفاشية والتغييرات داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته، الذي شهد تصاعداً في أيديولوجيا الصهيونية الدينية واليمين الفاشي، وهو ما انعكس في صراعات القوة بين القوى والأحزاب والنخب الإسرائيلية. وهو أيضاً نتاج إدراك الفشل في تحقيق إخضاع الشعب الفلسطيني وإلغاء طموحاته القومية، فضلاً عن نضالاته المدنية في ظل الأبارتهايد والاحتلال. إذ أن الشعب الفلسطيني، وبمكوناته المختلفة في فلسطين التاريخية وخارجها ، حافظ – رغم كل عوامل الضعف والإخفاق والانقسامات – على وجوده وعلى تمسكه بهويته القومية، وحقق الاعتراف الدولي بحقوقه، وفي مقدمتها تقرير المصير والدولة والعودة.
 
 
ويظهر التحول البنيوي في المشروع الصهيوني أيضا من خلال تبنيه استراتيجية توسعية راديكالية تتجاوز الأطر الأمنية التقليدية إلى فضاءات الهيمنة. فالممارسات الإبادية تجاه الشعب الفلسطيني تمثل إعادة تعريف لمفهوم التوسع، حيث لم يعد الهدف مجرد السيطرة المكانية كما في عام 1967، بل بات يتخذ شكلاً وظيفياً توسعياً يهدف إلى تكريس التفوق الاقتصادي والسياسي في عمق المنطقة. ويتسق هذا التحول مع استراتيجية الإدارة الأمريكية لإعادة هندسة الإقليم، حيث تتقاطع المصالح الصهيونية مع التوجهات الرأسمالية الدولية لإخضاع دول مثل (إيران، العراق، سوريا، ولبنان) لمنطق الهيمنة الكلي. إن هذا التمدد الذي يطال جغرافيا واسعة من الهلال الخصيب وصولاً إلى القرن الأفريقي (أرض الصومال)، والتهديدات الضاغطة على دول الجوار كالأردن ومصر، يعكس محاولة لفرض نظام إقليمي جديد تكون فيه الصهيونية الكولونيالية جزءا اساسيا محركا وحاميا للمصالح الجيواستراتيجية والاقتصادية للقوى الرأسمالية الكبرى." وبما يعوض تراجع مكانة إسرائيل وقدرة الردع التي فقدتها في السابع من أكتوبر ،والتي سعت لتعويضها عبر الإبادة الجماعية وعبر عقيدة استهداف المدنيين كاهم اهداف ووسائل الحرب  كما ظهر في لبنان بشكل خاص .
ويرتبط هذا التحول برمته بالتغيرات الدولية المتصاعدة  فالمشروع الصهيوني ارتبط منذ بداياته بمصالح وأهداف النخب الرأسمالية الاستعمارية الكبرى، ولا يزال يرتبط ارتباطاً عضويّاً بكتلة المصالح المالية والسياسية للنخب المهيمنة، بحيث لا يمكن قراءة سلوكه بمعزل عن الاستراتيجية الكلية لتلك القوى الرامية إلى إدارة الأزمات العالمية وتأمين التدفقات والمصالح الجيواقتصادية في المنطقة.
ويتمثل أبرز هذه التغيرات  في التحول في توازن القوى الاقتصادي والجيوسياسي، والتغيرات في أشكال الاستحواذ والملكية والعلاقات الاجتماعية، والآثار العلمية والتقنية المرافقة لمرحلة الثورة الرقمية الصاعدة، وهو يترافق مع فشل اللبرالية الجديدة والرأسمالية عموما في معالجة قضايا الفقر والتفرقة والبيئة والسلام الدولي. وقد ولّد كل ذلك اندفاعاً واضحاً لمواجهة هذه التغيرات بلغ ذروته في ظل إدارة ترامب، والمتمثل بالسعي المحموم لفرض هيمنة أكثر توحشاً، على العالم بما فيها شرعنة الاستيلاء بالقوة على الدول والأراضي والموارد والسيادة، حيث بات "السلام بالقوة" هو الوسيلة لتحقيق ذلك. وقد بات هذا النهج، بالإضافة إلى شراكة وتغاضي الإدارة الأمريكية السابقة والنخب الرأسمالية الحاكمة عن وقف الإبادة المنظورة ضد الشعب الفلسطيني، مرادفاً نظرياً جديداً لتغطية الإبادة، ولحماية ومنع ملاحقة المسؤولين عنها، من خلال الضغط على قضاة المحكمة الجنائية الدولية ودولة جنوب أفريقيا وكل القوى التي تطالب بالمحاسبة .
 
في الخلاصة:
 
إن الإبادة الجماعية الراهنة مثلت تجاوزاً حادا في النظر للمشروع  الصهيوني من زاوية الأبارتهايد والاحتلال فقط، وان الابادة  ليست انحرافاً استثنائياً عن هذه الطبيعة، بل تعبيراً عن تحوّل  يحمل طابعاً إبادياً تجسد في الممارسة في قطاع غزة، ولم يتم التوقف عن التهديد باستمراره وتكراره، كما أنه قابل للتجسيد في الضفة الغربية وحتى داخل إسرائيل نفسها في حال توفرت الظروف.
 
إن أثر هذا التحليل يعكس ضرورة النظر إلى مختلف القضايا من زاوية هذا الإدراك، بدءاً من صياغة الأولويات في مواجهة ووقف الإبادة وما يترتب عليها (حيث يشكل التهجير جزءاً لا يتجزأ منها)، وصولاً إلى جعل قضية العدالة في مقدمة الأولويات. والعدالة هنا تحمل بعدين: الأول ملازم للعدالة الانتقالية والمساءلة، والثاني مرتبط بتحقيق العدالة التحررية للشعب الفلسطيني عبر ضمان حقوقه المشروعة في الدولة والعودة. وبذلك تكون العدالة هدفاً ووسيلة في آنٍ واحد: هدفاً للملاحقة وضمان الحقوق للضحايا وللشعب الفلسطيني بأكمله، ووسيلة لمواجهة المشروع الصهيوني في نقطة ضعفه الجديدة التي هزت شرعيته كما لم يحدث من قبل، والتي تسمح بالمطالبة بتطبيق نماذج العدالة الدولية في التعامل مع قضية الإبادة الجماعية، ومن ضمن ذلك وللمفارقة (الهولوكست) ذاته .