ليس بوسع أي مراقب مدقق، إلا أن تستوقفه هواجس الإسرائيليين، على المستويين؛ الشعبي والنخبوي، بشأن ما إذا كانت الدولة اليهودية، قد نقلت فعليا إلى غرفة الإنعاش وعلى جهاز تنفس اصطناعي، يفتقد إلى شهادة ضمان يحصنها من الاختفاء المتوقع، من خارطة الشرق الأوسط.

سؤال "اختفاء" إسرائيل، فرض احتمالات أخرى، قفزت إلى الأسئلة الافتراضية والمحتملة والأسوأ: ماذا سيحدث حال اختفت إسرائيل من العالم؟!

في العام الماضي 2025 كتب يوجين بروسيلوفسكي في "تايمز أوف إسرائيل" متسائلا: "ماذا لو اختفى اليهود: تجربة فكرية حول إسرائيل والعالم؟".

وفي عام 2009 صدر الفيلم الروسي ليخ ليخا (Lekh Lekha)، من إخراج م. كوفينسكي، يتخيل الفيلم، الذي أنتج قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول بسنوات طويلة، عالما يصارع الغياب المفاجئ لليهود، ولا يجد حلا، بل حالة من التيه وعدم الاستقرار. ويزعم الفيلم في النهاية أن الوجود اليهودي ليس بوسع العالم الاستغناء عنه.

في يونيو/حزيران من عام 2016، أشار رئيس التحرير السابق لـ"هآرتس" الإسرائيلية ألوف بن، في "فورين أفّيرز"، تحت عنوان "نهاية إسرائيل"، إلى أن إسرائيل- على الأقل النسخة العلمانية والتقدمية منها التي أسرت خيال العالم- قد ولت

ولأن ذكر اليهود يستدعي بالتبعية "دولة إسرائيل"، أو هكذا استقر التطابق بينهما في المخيال العام، فإنه يستدعي بالضرورة كذلك سؤال: هل من المتخيل أن تختفي يوما دولة إسرائيل؟!

لفت تقرير لجامعة هارفارد، إلى الرعب الديمغرافي الذي يقض مضاجع صناع السياسات المستقبلية للدولة اليهودية، والذي حملها على إخفاء ما يقرب من 200 ألف طفل فلسطيني في غزة.

قيمة التقرير أن كاتبه هو الأستاذ الإسرائيلي يعقوب غارب، الذي استخدم التحليل القائم على البيانات ورسم الخرائط المكانية لإظهار كيف أدى حصار الجيش الإسرائيلي لغزة والهجمات العشوائية على المدنيين في القطاع إلى انخفاض خطير في عدد سكانها.

في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني عام 2007 ـ وفي مقابلة مع صحيفة هآرتس ـ حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت، من شبح تفكك دولة إسرائيل ما لم يتم التوصل إلى حل الدولتين مع الفلسطينيين. قائلا: "إذا جاء اليوم الذي ينهار فيه حل الدولتين، وواجهنا صراعا على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا من أجل المساواة في حقوق التصويت (مع الفلسطينيين)… فعندئذ، بمجرد حدوث ذلك، ستنتهي دولة إسرائيل".

إعلان

وإسرائيل حساسة تجاه أي مقارنة بجنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، لكن أولمرت سبق أن أبدى مثل هذه الآراء. فعندما كان نائبا لرئيس الوزراء في عهد أرييل شارون، أيد الانسحاب من معظم الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، وهو ما كان سيترك إسرائيل بأقصى عدد ممكن من الإسرائيليين، وأقل عدد ممكن من الفلسطينيين.

الهواجس بلغت حد التفكير في سيناريوهات مستقبل ما بعد الانهيار والسقوط الذي لم يعد مستبعدا، رغم صعوبة تخيله، وذلك وفقا لحزمة من التحليلات الرصينة، من داخل مجتمع صناع اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي.

فرغم أن زوال إسرائيل أمر لا يتصور، إلا أنه وارد جدا، كما يقول روبن واشنطن، وهو بالمناسبة، رئيس تحرير صحيفة "ذا فورود" اليهودية المستقلة.

بل إن الأخير تأخذه السيناريوهات كل مأخذ، ويتساءل في يناير/كانون الثاني 2024: إذا طُرد اليهود من النهر إلى البحر- وهذا دون التطرق حتى إلى كيفية تنفيذ هذه الفظائع- فكيف سينظر العالم إلينا نحن الباقين؟ هل سيعاد اليهود إلى وضعهم التاريخي كشعب بلا دولة عند عودة الفلسطينيين إلى وطنهم؟ هل سيعودون للشتات كما كان عليه الحال طوال معظم الألفي عام الماضية؟

في كتاب "نهاية إسرائيل"، الذي صدر بعد طوفان الأقصى، نوفمبر/تشرين الثاني 2023 تتبعت مقالات الصحفي الإسرائيلي الشهير برادلي بورستون بصحيفة "هآرتس"، الجذور العميقة لما وصفه بالحرب المروعة بين إسرائيل وحماس، وتستكشف كيف كان بإمكان البلاد أن تختار مسارا مختلفا، والخيارات الممكنة لمستقبلها.

وتفصل المقالات بحسب ـ تعبير بورستون ـ "انحدار وسقوط أمة فاشلة، بدأت حتى قبل اندلاع الحرب تتساءل عما إذا كان عيد استقلالها هذا العام سيكون الأخير؟". وقال: "إن إسرائيل حيث يسود المتوهمون والمتعصبون، أرض- كما يحذرنا سفر العدد في الكتاب المقدس- تلتهم سكانها أحياء". ويضيف: إذا سألتني: "كيف حال الأمور هنا؟" فأجيبك: "الأمور هنا تتجاوز الجنون".

في يونيو/حزيران من عام 2016، أشار رئيس التحرير السابق لـ"هآرتس" الإسرائيلية ألوف بن، في "فورين أفّيرز"، تحت عنوان "نهاية إسرائيل"، إلى أن إسرائيل- على الأقل النسخة العلمانية والتقدمية منها التي أسرت خيال العالم- قد ولت. ومع أن تلك النسخة كانت في بعض النواحي ضربا من الخيال، إلا أن تلك الأسطورة كانت على الأقل متجذرة في الواقع.

اليوم ـ كما يعتقد بن ـ تغير هذا الواقع، والدولة التي حلت محلها تختلف اختلافا جذريا عن تلك التي تخيلها مؤسسوها قبل نحو سبعين عاما.

وينتهي إلى نتائج مبكرة، بشأن مستقبل الدولة، لافتا إلى أنه منذ انتخابات مارس/آذار 2015 ، تسارعت وتيرة عدد من التوجهات البطيئة بشكل كبير، وإذا استمرت، فقد تجعل البلاد قريبا غير قابلة للتعرف عليها.

ثم عاد ألوف بن ليكتب مجددا في مارس/آذار 2024 أي بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وفي ذات المنصة الإعلامية "فورين أفّيرز"، تحت عنوان "إسرائيل تدمر نفسها"، لافتا إلى مقارنة بالغة الدلالة بين موشيه ديان ونتنياهو. يقول: "في أحد أيام أبريل/نيسان المشرقة عام 1956، توجه موشيه ديان، رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، ذو العين الواحدة، جنوبا إلى ناحال عوز، وهي كيبوتس حديثة التأسيس قرب حدود قطاع غزة.

إعلان

جاء ديان لحضور جنازة روي روتبرغ، البالغ من العمر 21 عاما، والذي قتل في صباح اليوم السابق على يد فلسطينيين أثناء قيامه بدورية في الحقول على ظهر حصان. وقد أثارت هذه الواقعة صدمة وحزنا عميقين في جميع أنحاء البلاد.

قال ديان آنذاك: "دعونا لا نلقي باللوم على القتلة. لقد قضوا ثماني سنوات في مخيمات اللاجئين في غزة، وأمام أعينهم كنا نحول الأراضي والقرى التي سكنوها هم وآباؤهم إلى ممتلكاتنا".

كان ديان يشير إلى النكبة، عندما أجبر غالبية الفلسطينيين العرب على النزوح بعد انتصار إسرائيل في حرب الاستقلال عام 1948″.

شاء رئيس تحرير "هآرتس" السابق، أن يعقد مقارنة ضمنية، بين تجربتين: الخمسينيات في عهد "ديان"، وعقلنة الخطاب السياسي والخططي التي حصنت إسرائيل وأجلت الانهيار المبكر، وتجربة اللاعقل الحالية، متوقعا أن "نهاية إسرائيل"، ستكون على يد رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.

يقول يواف رينون، الأستاذ في الجامعة العبرية بالقدس، لمجلة "أوريان 21" الفرنسية: إن شمشون، البطل الديني القومي لإسرائيل، كان "متعصبا أنانيا" و"يشعر بحاجة إلى الإذلال".

هذه الشخصية الرمزية للصهيونيين المسيانيين ـ الذين يتعجلون عودة المسيح المخلص ـ الذين يشاركون في حكم إسرائيل حاليا، اعتقدت أن قوتها تجعلها لا تقهر؛ هذه الأسطورة، التي تردد باستمرار في كتب الدعائيين، في طريقها إلى الزوال.

ويشير المؤرخ الليبرالي يوفال نويل هراري إلى أن "نتنياهو يواصل وعد الإسرائيليين بـ"النصر الكامل"، لكن الحقيقة هي أننا على وشك هزيمة ساحقة". ومن وجهة نظره، أظهر رئيس الوزراء دليلا على "الكبرياء والعمى والانتقام"، تماما مثل شمشون.

كان ثمة إرهاصات مبكرة، تبدي قلقها من مآلات الدولة، وأنها ربما تخطت عتبة الصمود، التي تمسكت بها على مدى سبعة عقود مضت.

والمسألة لم تعد محض جدل على منصات النخبة وأصحاب الياقات البيضاء، والصخب داخل الصالونات الثقافية في القاعات الفندقية، بل أكثر قربا من الحقيقة المحتملة، إذ تؤيدها الأرقام والإحصائيات والدراسات الإمبيريقية؛ أي القائمة على الواقع والبيانات على الأرض.

لقد وصفت منظمة "ميدل إيست مونيتور"، تقرير المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، الصادر مطلع عام 2025، بشأن الهجرة العكسية لليهود بـ"موجات الصدمة"، وأن عناوين وسائل الإعلام الإسرائيلية وصفت الأرقام بـ"الكئيبة". مشيرة إلى أنه قد تم استبعاد 82 ألف شخص من تعداد السكان، وهو ما شكل نبأ سيئا للأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، بحسب تعبير المنظمة.

جاء ذلك بالتوازي مع أحدث تقرير للكنيست، صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بشأن الهروب الجماعي لليهود من إسرائيل، وصفه إيتمار إيشنر، في أشهر المواقع الإخبارية الإسرائيلية "ynetnews"، بأنه يقدم صورة قاتمة للغاية، إذ دفعت عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 145 ألفا و900 إسرائيلي إلى الهروب.

وأظهر استطلاع حديث أجرته الجامعة العبرية بمبادرة من المنظمة الصهيونية العالمية أن نسبة مذهلة تبلغ 80% من الإسرائيليين الذين هربوا خارج البلاد يقولون إنهم لا ينوون العودة إلى إسرائيل.

ونقل معدو الاستطلاع عن غوستي يهوشوا برافرمان، رئيس قسم أنشطة الشتات في المنظمة الصهيونية العالمية، لوسائل الإعلام العبرية قوله: معظم الإسرائيليين لا ينوون العودة إلى إسرائيل.

في حين تقول صحيفة "The Cradle"ـ وهي منصة إخبارية جيوسياسية متخصصة في قضايا غرب آسيا والشرق الأوسط ـ إنه في الأشهر الأولى التي أعقبت عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول، غادر ما يقارب نصف مليون إسرائيلي الأراضي المحتلة. كما شهدت البلاد انخفاضا حادا في عدد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل.

في محادثة له مع شبكة برس تي في (presstv) شرح المؤرخ الإسرائيلي الشهير إيلان بابي لماذا يعتقد أن الصهيونية قد دخلت مرحلتها الأخيرة، وكيف يتفكك المجتمع الإسرائيلي داخليا.

إعلان

ويشدد تقرير لـ"تايمز أوف إسرائيل" نشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على أن حرب غزة غيرت المجتمع الإسرائيلي بطرق لم تفعلها أي حرب سابقة، مشيرا إلى أنه لطالما تصورت إسرائيل نفسها، على مر تاريخها، كحصن منيع محاط بالأعداء.

أما اليوم، فيتصدع هذا الحصن من الداخل. لم يعد التهديد الأكبر لاستقرار إسرائيل يأتي من إيران أو حماس، بل من الانقسامات التي تعصف بمجتمعها.

فكلمة "حرب أهلية"، التي كانت تعتبر في السابق مبالغة، باتت تستخدم بكثرة بين عامة الناس. وما كان يعد في الماضي أمرا لا يتصور، أصبح اليوم تعبيرا شائعا عن القلق الذي يخيم على الحياة الإسرائيلية.

ونادرا ما تبدأ الحروب الأهلية بالطلقة الأولى؛ إنما تبدأ عندما يتوقف المواطنون عن رؤية بعضهم بعضا كأعضاء في مجتمع سياسي مشترك.

وهذا ما يحدث فعليا الآن في إسرائيل كما يقول يهودا لوكاش، الأستاذ بجامعة جورج ماسون.