شهدت منصات الإعلام المختلفة، وبخاصة التلفزية، في الأسابيع الأخيرة موجة من هرتقات التحليل السياسي؛ لحتمية الضربة العسكرية الأمريكية لإيران، القائم على التمنيات أحيانا، والتشويق أحيانا أخرى  مما أثار الذعر لدى المواطنين من جهة، وتحول التحليل السياسي؛ بما يتضمنه من أدوات علمية لفحص التحولات والمؤشرات والمتغيرات وسلوك الدول والأشخاص بناء على مجمل المعطيات من معلومات آنية وسياق العلاقات الدولية والمصالح المتناقضة وربطها بعوامل تاريخية وحوادث متشابه أو قريبة منها من أجل القدرة على التنبؤ لاتجاهات السلوك أو الأحداث أو الظواهر السياسية، إلى التنجيم بدلاً من التنبؤ  لوضع الخيارات المحتملة وتوزينها. 

وقد يكون ذلك غير كافٍ دون قراءة المآلات المحتملة لأيٍ من السيناريوهات المتخيلة للضربة العسكرية في حال وقوعها لتوزيع احتمالية القيام بها ؛ فمراكز الفكر والأبحاث عادةً تقدم تصورات قائمة على تحديد مصالح الأطراف الدولية والإقليمية والقوى المحلية لفهم سلوك الأطراف والقوى الفاعلة مرتبطة بحكم المكاسب والخسائر المتوقعة، وهي ليست عملية رياضية إحصائية بل هي عملية قائمة على إعمال العقل المكتسب من التقدم الهائل للعلوم الطبيعة والإنسانية الذي يعكس تنوّع طرق الإنسان في تفسير العالم من حوله وفهم ذاته في آنٍ واحد من ناحية، والمعطيات العسكرية والجغرافية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية المحددة للسلوك المستقبلي لها من ناحية ثانية.

يشاهد الفلسطينيون والعرب تكراراُ للبروباغندا الإعلامية؛ كتجربة أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب في نقل حرب "نكسة" 1967، ومحمد الصحاف وزير الإعلام في حكومة الرئيس صدام حسين أثناء غزو العراق عام 2003 وما التصق بها من مصطلح "العلوج" والوهم القائم على الانتصار، وتضخيم اللواء فايز الدويري ومن معه عبر شاشة الجزيرة لإمكانيات الفصائل الفلسطينية المسلحة بقطاع غزة بإطلاق مصطلحات عسكرية على جغرافية قطاع غزة المنطقة الصغيرة التي لا تذكر في الحجم، وتعظيم قدرات هذه الفصائل العسكرية كأنها جيوش جرارة. ويأتي اليوم البعض للحديث عن الضربة العسكرية لإيران كأنه واقعة دون تقدير محدد لقدرات إيران وحجمها خاصة النووية؛ إثر ضبابية المعلومات حول نتائج الضربة العسكرية للبرنامج النووي ومنشآته التي تلقتها في حزيران الفارط، أو قدرتها على الوصول إلى اتفاق مع الإدارة الأمريكية دون تحقق الضربة العسكرية.   

يقول صديقي إن النصر والهزيمة مصطلحان نسبيان وفقاً لوجهة القراءة أو عدم القدرة على تحقيق الأهداف المتخيلة من الأطراف، أما المكاسب والخسائر وقائع حاصلة على الأرض يدركها البشر، فيما الحقيقة فهي القدرة على تحديد مصير الناس وسلوكهم المستقبلي. ويضيف صديقي أما التحليل السياسي القائم على التنجيم والتمنيات والاثارة والخوف فهو هرتقات منافية للعلم وأدواته