
خاص صدى نيوز: في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها السلطة الوطنية الفلسطينية، تبرز قضية أموال المقاصة المحتجزة لدى إسرائيل كأحد أهم الملفات التي تحدد مستقبل الوضع الاقتصادي والسياسي في فلسطين. ومع تراكم الديون وتراجع قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها، يطرح سؤال جوهري: هل ستلجأ إسرائيل إلى تحويل جزء من هذه الأموال لصالح ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، في خطوة تتجاوز البعد المالي لتصبح أداة ضغط سياسي قد تعيد رسم المشهد الفلسطيني بما يخدم مصالحها؟
أرقام حديثة خاصة بوزارة المالية والتخطيط الفلسطينية كشفت أن حجم ديون الحكومة والمستحقات المتراكمة لصالح فئات مختلفة وصل مع نهاية العام 2025 إلى نحو47.3 شيقل.
وتظهر الأرقام أن أكبر دائن للحكومة حتى نهاية كانون الأول من العام 2025 هو صندوق التقاعد بديون وصلت قيمتها إلى نحو 15 مليار شيقل، مع العلم أن هذه الديون تأخذ ثلاثة مسارات، إما أموال اقترضتها الحكومات المتعاقبة من الصندوق، أو عدم تحويل أموال تتعلق بمساهمة موظفين في صندوق التقاعد، أو عدم تحويل مساهمات للحكومة في الرواتب التقاعدية.
واحتلت قروض الحكومة من القطاع المصرفي الفلسطيني المرتبة الثانية بديون وصلت قيمتها إلى نحو 10.9 مليار شيقل، ثم متأخرات القطاع الخاص بمبالغ تصل إلى نحو 8 مليارات شيقل، أما مستحقات الموظفين غير المسددة فقد بلغت نحو 7.8 مليار شيقل. مع العلم أن موظفي القطاع العام لم يتقاضوا راتباً كاملا منذ تشرين الثاني 2021 .
أما الاقتراض الخارجي فبلغ مع نهاية كانون الأول الماضي نحو 4.3 مليار شيقل.
هذه الديون المتراكمة يعزوها مراقبون إلى عدة أسباب منها عدم مواءمة النفقات مع حجم الايرادات طوال السنوات السابقة، ما خلف عجزا ًماليا متراكميا لم تعد السلطة الوطنية قادرة على إدارته، لكن السبب الرئيسي يظل في قيام اسرائيل باحتجاز أموال المقاصة أو فرض خصومات واقتطاعات منها ما حرم الخزينة العامة من 68%من ايراداتها، الأمر الذي فاقم من الأزمة المالية وحال دون تمكين السلطة من إدارة هذا الدين.
ورغم أن حجم الأموال المقتطعة والمصادرة من أموال المقاصة تصل إلى قرابة(15) مليار شيقل أي أنها تمثل أقل من ثلث الدين العام، غير أن الخبراء والمراقبين يؤكدون أنه لا يمكن لللسلطة الوطنية سداد ديونها وفق الإمكانيات المتاحة لكن في حالة توفير هذه الأموال فإنها ستمكن السلطة من إدارة دينها وتخفيف عبء الأزمة المالية التي انعكس بشكل لافت على الدورة الاقتصادية ككل.
وفي محاولة لتجفيف أموال المقاصة والدفع بحصول انهيار مالي، لجأت اسرائيل إلى وقف تحويلاتها من أموال المقاصة بشكل كامل منذ قرابة (9) أشهر، علما أنها لم تكن تحول أكثر من ثلثلها منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 بعد فرض خصومات إضافية على أموال المقاصة تتعلق برواتب موظفي السلطة الوطنة في قطاع غزة والتي تقدر بنحو 272 مليون شيقل شهريا.
وكان مدير الاتصال الحكومي د. محمد أبو الرب أشار في تصريحات صحفية مؤخراً إلى أنه لم يحدث أي اختراق في موضوع المقاصة رغم وجود ضغوطات دولية بهذا الاتجاه، بينما كان مسؤول فلسطيني رفيع أشار خلال لقائه مع صحفيين إلى أن الجانب الإسرائيلي اقترح قبل عدة أشهر تحويل جزء يسير من أموال المقاصة للسلطة الفلسطيينة مقابل تحويل مخصصات رواتب موظفي غزة إلى قطاع غزة(دون توضيح أوجه استخدامها) ما يفتح الباب واسعا أمام تكريس الانفصال بين غزة والضفة، وهو أمر رفضه الجانب الفلسطيني.
هل ستذهب أموال المقاصة لمجلس السلام؟
قال خبير اقتصادي فضل عدم الكشف عن اسمه بأن أموال المقاصة باتت رهينة للحلول السياسية ولا أفق للإفراج عنها قريبا، الأمر الذي من شأنه أن يعمق الأزمة المالية للسلطة الوطنية، دون أن يستبعد تحويل جزء من هذه الأموال لصالح مجلس السلام بهدف توفير الإمكانيات المالية للجنة الإدارية وضمان نجاحها.
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو راس لـ"صدى نيوز": إذا كانت إسرائيل معنية بإنجاح اللجنة الإدارية في قطاع غزة وإفشال الخطط المالية للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، فحسب تقديري أنه يمكن أن تقوم بتحويل جزء من مخصصات المقاصة لقطاع غزة.
وأضاف: "إذا تم هذا السيناريو، فإن ذلك يضع السلطة في منعطف مالي خطير حيث أن مثل هذا الإجراء يخرج إسرائيل من عنق الزجاجة فيما يتعلق بوجوب تحويل ايرادات المقاصة لحسابات السلطة، تحت ذريعة تحويل الايرادات إلى قطاع غزة على اعتبار أن اللجنة الادارية تعتبر أحد اذرع السلطة (بناء على تبريرات اسرائيلية متوقعة).
وكان وزير المالية د. اسطيفان سلامة قدر في لقاء عقد مع الصجفيين إن إجمالي القضايا المرفوعة في اسرئيل على السلطة الوطنية بنحو (20) مليار شقيل، الأمر الذي يعني في حالة الحكم فيها تصفيرا لأموال المقاصة المحتجزة.
وكانت بيانات حديثة صادرة عن وزارة المالية والتخطيط أظهرت أن إجمالي أموال المقاصة المسجلة مع نهاية العام 2025 بلغت نحو 10.53 مليار شيقل، بينما لم تحصل السلطة الوطنية منها سوى 1.95 مليار شيقل أي نحو 18.5% فقط من إجمالي أموال المقاصة المتحققة، وذلك بسبب رفض إسرائيل تحويل تلك الأموال، إذ تكشف البيانات أن آخر دفعة من أموال المقاصة تسلمتها السلطة الوطنية في أيار من العام الماضي.