"لنذهب إلى أبعد وأعلى ما يكون".
هنري لوفيفر - الحق في المدينة

لماذا تل أبيب؟ ببساطة، لكي لا يظل موتنا مشكلتنا وحدنا، ولكي لا تستسهل الدولة ديّة ضحايانا. ولنا الحق نحن العرب في كل الشوارع، بما فيها تل أبيب، بشرط ألا يبتلعنا شارعها! وتل أبيب عاصمة أنجبت دولة صنعت كل هذه السياسات ضدنا تاريخيًا. مع ذلك، فثمّة سؤال: أي الطرق التي علينا ألا نسلكها كعرب في تل أبيب؟

يتناسل الاحتجاج الجماهيري على مدار الأسبوعين الأخيرين في الداخل الفلسطيني، من الجليل إلى المثلث والساحل، وحتى النقب، وصولًا إلى تل أبيب أول أمس السبت، حيث احتشدت آلاف الرايات السوداء، وتحتها عشرات آلاف المتظاهرين من العرب الذين آثروا التجمهر محتجّين على التجمّع مشيّعين لأبنائهم وبناتهم ضحايا في القرى والبلدات العربية يوميًا. وقد التحق بمظاهرة السبت يهود - إسرائيليون انحازوا لصرخة المجتمع العربي في البلاد، وهذا مهم طالما تتقاطع في خرائط تل أبيب السبل بقدر ما تفترق الطرق فيها.

لكن علينا ألا ننسى، بأننا نتخذ من إسفلت تل أبيب شارعًا للاحتجاج عليه بوصفه معملًا لسياسات الفصل والعزل وهندسة القتل تاريخيًا، وليس طريقًا للشراكة تحت سقف يهودية الدولة بما يؤسس لأسرلتنا ودمجنا بمجرد أن اتخذنا من ساحة "هبيماه" ميدانًا... فلا شراكة إلا بشرطنا الذي يقول: إن قتلنا والصمت عنه واحد، وليس لأننا مواطنون أقل درجة، بقدر ما لأننا فلسطينيون يُمرر قتلنا بصمت. إن الصرخة التي وُلدت صلبة من حنجرة علي زبيدات في سخنين، في تل أبيب يجب ألا تسيل.

لتل أبيب ذاكرتها المتصلة بالاحتشاد والاحتجاج، لكنها ذاكرة لا تشبهنا، فمن احتشدوا في شوارعها ولزموا ساحاتها قبلنا، ليسوا مثلنا وإن صحت مظلومية بعضهم، لطالما طاولت سياسات التمييز والتهميش اليهود الشرقيين تاريخيًا. فكانت حركة "الفهود السود" وفورتها على الصهيونية البيضاء مطلع سبعينيات القرن الماضي، والتي انطلقت في القدس ثم في تل أبيب مع اعتصامات "دوار ملوك إسرائيل" - ساحة رابين اليوم -، ثم انتفاض المهاجرين الأثيوبيين عام 1974، ثم تظاهرات طلاب المدارس الدينية اليهودية ضد تجنيدهم عام 1977، وتطول قائمة نزول شوارع تل أبيب ولزوم ميادينها على مدار العقود الأخيرة، وصولًا إلى احتجاجات المهاجرين الإريتريين في أيلول/ سبتمبر 2023.

تظاهر اليهود الشرقيون والمهاجرون الأفارقة تاريخيًا ضد سياسات تمييز مارسها نظام سعوا لأن يكونوا جزءًا منه، وقد أرادوا تحسين شروط وجودهم فيه. وليس صدفة أن شكّلت هذه الفئات المهمشة منذ السبعينيات قاعدة اجتماعية وسياسية صلبة لصعود أحزاب اليمين الإسرائيلي، أي أنها تطرفت في يهوديتها كي تثبت صهيونيتها مع الوقت. بينما السياسات المُمارسة علينا نحن العرب، لكوننا فلسطينيين من أهل البلاد وسكانها الأصليين. ولأننا لسنا مستوطنين مهاجرين، نظرت إلينا الصهيونية على أننا أعداء محتملون، فصرنا ضحايا محتملين في معمل الجريمة المنظمة وتواطؤ الشرطة وأجهزة الأمن معها علينا.

تنفذ عصابات الإجرام الجريمة، بينما ينظمها السكوت عنها وفق مبدأ "دعه يعمل... دعه يمر"، كلنا يعرف هذا الشعار الرأسمالي المتصل بمبدأ الحياد الاقتصادي الذي يقضي بتحرير السوق من رقابة الدولة. تعمل الجريمة في مجتمعنا العربي وتمر يوميًا فيه، في ظل تجاهل مقصود يحرر الجريمة من رقابة مؤسسة ترى بموتنا جزءًا من اقتصادها الكولونيالي. وهذه سياسة لا يمثلها تقاعس الشرطة، بقدر ما تتمثل في خطاب ثقافي صهيوني، استشراقي وعنصري يرد الجريمة في المجتمع العربي إلى الثقافي فيه بوصف "القتل ثقافة عربية"، ما يفسر مردّ مبدأ التواطؤ الإسرائيلي مع الجريمة على شكل حياد.

من هنا ضرورة المداومة على خلق مناخ رفض الجريمة عبر التشويش اليومي وبوسائل ضغط مختلفة على الدولة كي تصبح مشكلة الكل لا العرب وحدهم، فهذا ما يجب أن يعنيه وصولنا لشارع تل أبيب. فيما المثابرة على تسييس خطاب الجريمة والتواطؤ معها علينا لأننا عرب، ضرورة لا تقل عن الأولى، كي لا تتحول تل أبيب طريقًا لابتزازنا سياسيًا وأمنيًا بأمننا. يقع ذلك على عاتق مؤسساتنا وأحزابنا وقوانا الوطنية، خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار طبيعة اختلاف الحوامل الفاعلة في مناهضة الجريمة وخطاباتها، وقد كشفتنا عليها مظاهرة السبت الأخيرة أوضح مما كشفتنا عليها الأولى في سخنين، لأنها أي الأخيرة كانت في تل أبيب.