
خاص صدى نيوز- يعاني الميزان التجاري لفلسطين من عجز كبير لصالح الواردات، ما يعكس سياسية اقتصادية ومالية ظلت تمارس عبر السنوات الماضية، ملخصها بحث الحكومات الفلسطينية عن إيرادات مالية سريعة ومضمونة على حساب تنمية القطاعات الإنتاجية.
وبالمجمل تصل الواردات في معظم السنوات في فلسطين إلى أربعة أضعاف الصادرات، ما يعني أن الاقتصاد الفلسطيني برمته اقتصاد استهلاكي يقوم على توفير إيرادات ضريبة للحكومة سريعة التحصيل، بينما لا يبني قاعدة اقتصادية متينة تحقق الاستدامة.
وتظهر الأرقام الصادرة عن وزارة الاقتصاد الوطني أن حجم الواردات السلعية والخدمية بلغت بعد نهاية العام 2024 نحو 6.54 مليار دولار (تشمل الوقود، الكهرباء، والسلع الأساسية)، بينما بلغت حجم الصادرات 1.71 مليار دولار أمريكي.
وسجل الميزان التجاري (الفرق بين الصادرات والواردات) عجزاً بحوالي 4.83 مليار دولار أمريكي في 2024.
هذه الأرقام تعكس استمرار العجز الهيكلي في الميزان التجاري، مع بقاء إسرائيل الشريك التجاري الأكبر، إذ وصل حجم الواردات من اسرائيل بعد نهاية العام 2024 نحو 3.64 مليار دولار، بينما وصل حجم الصادرات معها إلى نحو 1.6 مليار دولار.
وتعد إسرائيل هي المصدر الرئيسي للواردات (حوالي 60% في بعض فترات 2024) والوجهة الأولى للصادرات (حوالي 87% من الصادرات). وحسب الأرقام المعلنة، فإن الصين هي الشريك التجاري الثاني بواردات بلغت نحو 5687 مليون دولار وصادرات لا تزيد عن 16 مليون دولار، بينما تأتي تركيا في المرتبة الثالثة بواردات بلغت قيمتها 402 مليون دولار وصادرات بنحو 23.7 مليون دولار.
يُفسَّر اختلال التوازن الكبير بين الصادرات والواردات في فلسطين – حيث تفوق الواردات الصادرات بنحو أربعة أضعاف – بجملة من العوامل البنيوية والسياسية والاقتصادية المتداخلة، التي تجعل من هذا الخلل ظاهرة هيكلية مزمنة وليست مجرد مشكلة تجارية عابرة.
يقول الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري لـ"صدى نيوز": أول هذه العوامل يتمثل في غياب السيطرة الفلسطينية الفعلية على المعابر والحدود. ففلسطين لا تملك سيادة حقيقية على منافذها التجارية، وجميع عمليات الاستيراد والتصدير تمر عملياً عبر إسرائيل، وتخضع لإجراءاتها الأمنية والتنظيمية، ما يرفع كلفة التصدير، ويطيل زمن التخليص، ويقيد قدرة المنتج الفلسطيني على النفاذ المنتظم للأسواق الخارجية.
أما العامل الثاني يرتبط ببروتوكول باريس الاقتصادي الذي أسس لنموذج اتحاد جمركي قسري مع إسرائيل، حيث لا تمتلك فلسطين سياسة جمركية مستقلة، ولا حرية عقد اتفاقيات تجارية دولية منفصلة، كما أنها ملزمة بتطبيق التعرفة الجمركية الإسرائيلية نفسها. هذا الواقع يجعل السوق الفلسطينية مفتوحة أمام الواردات دون أدوات حماية حقيقية للمنتج المحلي.
ثالثاً، يعكس الخلل ضعف القاعدة الإنتاجية الفلسطينية. فالزراعة تعاني من مصادرة الأراضي وشح المياه، والصناعة محدودة الحجم ومجزأة وتفتقر لرؤوس الأموال والتكنولوجيا، ولا توجد صناعات تصديرية كبرى أو سلاسل قيمة قادرة على توليد فائض تصديري مستدام. في المقابل، يقوم الاقتصاد الفلسطيني على نموذج استهلاكي يعتمد على الرواتب والتحويلات والمساعدات أكثر من اعتماده على الإنتاج والتصنيع.
رابعاً، بنية التجارة نفسها غير متوازنة، إذ تشير البيانات إلى أن أكثر من 70% من الواردات الفلسطينية تأتي من إسرائيل، وتشمل الغذاء والطاقة والمواد الخام والسلع الوسيطة، أي أن فلسطين تستورد حتى المدخلات الأساسية التي يفترض أن تشكل قاعدة للإنتاج المحلي. وهذا يخلق دورة اقتصادية مغلقة يتسرب فيها الدخل الفلسطيني باستمرار إلى الخارج.
خامساً، يساهم غياب العملة الوطنية في تعميق الخلل، حيث لا تمتلك فلسطين سياسة نقدية مستقلة تمكنها من استخدام سعر الصرف كأداة لدعم الصادرات أو تحسين القدرة التنافسية، ما يحرم الاقتصاد من إحدى أهم أدوات التوازن التجاري المعروفة عالمياً.
بناءً على ذلك، يقول د. صبري إن العجز في الميزان التجاري الفلسطيني ليس نتيجة ضعف إداري أو قصور فني في سياسات التصدير، بل هو تعبير عن نموذج اقتصادي تابع ومقيد سياسياً، يفتقر لأدوات السيادة التجارية والإنتاجية. وبالتالي فإن معالجة هذا الخلل لا يمكن أن تتم عبر برامج دعم الصادرات فقط، بل تتطلب تغييراً هيكلياً في الإطار الاقتصادي والسياسي الذي يحكم علاقة فلسطين بالتجارة والموارد والأسواق.
بدوره، يقول الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبوغوش لـ"صدى نيوز" إن الخلل الهيكلي في الميزان التجاري لصالح الورادات ناجم عن عدة عوامل، أبرزها أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على كافة المعابر التجارية كما يحرم الفلسطيني من الاستثمار في مناطق (ج) وهي التي تتمتع بمزايا لتنمية القطاعات الإنتاجية التي تشكل قاعدة للتصدير، بالإضافة إلى تدمير القاعدة الإنتاجية في قطاع غزة بفعل سلسلة الحروب، وثالثها عدم وجود سياة حكومية تشجع القطاعات الإنتاجية من خلال توفير إعفاءات ضريبية لها ومزايا استثمارية، لا بل كانت الحكومات تشجع الاستهلاك لأسباب تتعلق بتحسين الجباية الضريبية.
ويشير إلى أن سياسات الحكومات المتعاقبة في فلسطين على مدار السنوات كانت تدفع نحو الاستهلاك كونه يوفر ايرادات ضريبة سريعة ومحققة لها، لكن ذلك كان حتما على حساب بناء قاعدة اقتصادية إنتاجية قوية تضمن للفلسطيني نوعاً من الاستقلال الاقتصادي.
ويقول أبوغوش إن هذه السياسة أدت إلى مزيد من السيطرة الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني كون أن ضريبة المقاصة (جمارك وقيمة مضافة وضريبة شراء) تفرض على السلع المستوردة سواء من الخارج أو إسرائيل وهذه باتت تشكل نحو 68% من إجمالي إيرادات الخزينة العامة الفلسطينية، لافتاً إلى أن ذلك جعل الاقتصاد الفلسطيني مكبلاً من فرص استثمارية ومن مزايا التخطيط السليم لبناء تعزيز قاعدة إنتاجية كان يمكن لها أن تزيد عوامل الصمود، وخاصة في ظل الأزمات.