
صدى نيوز -قد يؤدي تدهور العلاقات عبر الأطلسي، الذي كانت أحدث محفزاته محاولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاستيلاء على أراضي غرينلاند، إلى إعادة توزيع تدريجية لرؤوس الأموال. لكن استخدام حيازات أوروبا من سندات الخزانة الأميركية، التي تبلغ قيمتها نحو 3.5 تريليون دولار، كسلاح سيكون صعب التنفيذ، ويُرجح أن يجلب نتائج عكسية.
إن استراتيجية "بيع أميركا" ليست في مصلحة أوروبا: فالعواقب المالية ستكون وخيمة، نظراً لاعتماد المنطقة الكبير على تمويل الدولار الأميركي.
مع أن التخارج الخاطف من سندات الخزانة الأميركية بأسعار زهيدة أمر مستبعد، إلا أن تغير العلاقات عبر الأطلسي ليس محايداً بالنسبة لتدفقات رؤوس الأموال. ويتضح هذا التأثير بالفعل في أسواق الصرف الأجنبي، إذ ارتفع اليورو بأكثر من 10% مقابل الدولار منذ الصدمة التجارية التي حدثت في أبريل.
قد يعزز النزاع المستمر حول غرينلاند، وتدهور العلاقات بشكل عام، تحولاً تدريجياً من جانب المستثمرين الأوروبيين ابتعاداً عن الأصول الأميركية، ما يزيد الضغط التصاعدي على اليورو - وهي مكاسب ستؤثر سلباً على النشاط الاقتصادي وتعقد توقعات التضخم.
قد يكون الحديث عن بيع سندات الخزانة كسلاح مالي جديداً على أوروبا، لكنه جزء مألوف من النقاش حول العلاقات الأميركية الصينية.
لن تفعل أوروبا ما لم تقدم عليه الصين
لم تأتِ الصين قط بخطوة من هذا القبيل للسبب نفسه الذي يجعلنا نعتقد أن أوروبا لن تفعل ذلك: إذ أن بيع سندات الخزانة بأسعار زهيدة سيكون بمثابة نار يطال لهبها الجميع.
بدأ تدهور العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة يلقي بظلاله على الأسواق المالية. بعد التصعيد الأخير في نزاع غرينلاند، تحول الحديث نحو استخدام حيازات أوروبا من سندات الخزانة كورقة ضغط على واشنطن. وكما يقال، فإن استهداف رؤوس الأموال بدلاً من التدفقات التجارية سيكون أكثر تأثيراً على الأسواق.
يستحوذ المستثمرون الأوروبيون على ما يقارب 3.5 تريليون دولار من سندات الخزانة الأميركية، ما يمثل حوالي 40% من إجمالي ديون الحكومة الأميركية المحتفظ بها في الخارج، متجاوزين بذلك آسيا العام الماضي. نظرياً، يبرز هذا التركيز اعتماد الولايات المتحدة على رأس المال الأوروبي، ويشير إلى أن هذه الحيازات توفر نفوذاً كبيراً.
لكن هل يعني هذا حقاً أن أوروبا قادرة على تحويل محفظة سندات الخزانة إلى سلاح جيوسياسي؟ وهل تواجه الأسواق فعلاً خطر بيعها بأسعار زهيدة؟ باختصار، لا، وذلك لعدة أسباب:
لا تتجاوز نسبة حيازات سندات الخزانة الأوروبية لدى مستثمري القطاع العام الذين يمكن حشدهم لبيعها بشكل منسق نسبة ضئيلة. والأهم من ذلك، أن التداعيات المالية ستكون وخيمة، بما في ذلك على أوروبا نفسها.
اعتمادية أوروبية يصعب التخلص منها عاجلاً
ما يزال النظام المالي في المنطقة يعتمد بشكل كبير على تمويل الدولار الأميركي. وتعد حيازات سندات الدين المقومة بالدولار الأميركي، بما في ذلك سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة برهون عقارية من الوكالات الحكومية، عنصراً أساسياً من الأصول السائلة عالية الجودة لبنوك منطقة اليورو، إذ إنها تدعم التمويل قصير الأجل وتساعد في تلبية متطلبات السيولة التنظيمية.
تشير دراسة أعدها موظفون لدى البنك المركزي الأوروبي إلى أن قيمة قروض بنوك منطقة اليورو المقومة بالدولار تبلغ 700 مليار يورو على الأقل، أي ما يعادل 9.2% من إجمالي القروض.
إن أي عملية بيع عشوائية ستؤدي إلى تآكل حاد في قيمة الأصول وتفاقم الضغوط المالية على جانبي المحيط الأطلسي. ولا شك أن الانهيار المالي ليس في مصلحة أحد.
بالنسبة لصناع السياسات الأوروبيين، لا يُرجح أن يتحقق السعي نحو مزيد من الاستقلالية الاستراتيجية باستخدام سندات الخزانة الأميركية كأداة جيوسياسية. يكمن المسار الأجدى في تعزيز النظام المالي الأوروبي نفسه: تعميق أسواق رأس المال، وزيادة عمق وسيولة الأصول المقومة باليورو، وتوسيع نطاق البنية التحتية للدفع والتسوية بما يقلل الاعتماد على القنوات الدولارية.
مع مرور الوقت، ستساهم هذه الخطوات - بدلاً من الأساليب المالية القسرية - بشكل أكبر في تعزيز المرونة المالية لأوروبا ودور عملتها الموحدة على الصعيد الدولي.
هل أنتم مستعدون ليورو أقوى؟
لا يُرجح بيع سندات الخزانة الأميركية بأسعار زهيدة. لكن لا يعني هذا أن تغير العلاقات عبر الأطلسي سيكون محايداً بالنسبة لتدفقات رأس المال. ويتجلى مثال واضح فعلاً في أسواق الصرف الأجنبي: فقد ارتفع اليورو بأكثر من 10% مقابل الدولار منذ الصدمة التجارية في الربع الثاني من العام الماضي، وارتفع بنحو 7% من حيث الأثر الفعلي.
يشير نموذجنا، الذي يحلل التحركات اليومية لسعر صرف اليورو مقابل الدولار ليظهر محركاته الرئيسية، إلى أن التحولات في معنويات المخاطرة العالمية كانت قوة دافعة رئيسية وراء هذا الارتفاع، إذ عمد المستثمرون إلى تنويع استثماراتهم ابتعاداً عن دور الدولار التقليدي كملاذ آمن نحو عملات أخرى، ولا سيما اليورو. وقد عززت التغيرات في تصورات مواقف السياسة النقدية النسبية هذا التوجه.
خلاصة القول هي أن استخدام رأس المال كسلاح سيكون له آثار مدمرة جداً، لا سيما على أوروبا نفسها. وهذا لا يستبعد استمرار التراجع المدفوع بالسوق عن الأصول المقومة بالدولار إذا تزايدت الشكوك حول وضعها كملاذ آمن واستمرت المخاوف بشأن التوقعات المالية للولايات المتحدة.
كما هو الحال مع التجارة، فإن التحولات في العلاقات عبر الأطلسي تؤثر بشكل متزايد على تدفقات رأس المال، مع ما يترتب على ذلك من عواقب سوقية تدريجية ولكنها ذات مغزى.