نظرا لكثرة الخيبات والنكبات التي عاشتها البشرية جمعاء في كوكبنا المثقوب والمترهل، لم أكن أتوقع أن هذا المجتمع عامة والمجتمع المقدسي خاصة بحاجة الى من يلفت نظره بأن المياه القذرة تجري من تحته لتدمير احدى أهم ركائز هويته الوطنية – نظام  التربية والتعليم، رغم تواصل التصريحات والشعارات الطنانة الرنانة والتي ينطبق عليها القول: نسمع ضجيجا ولا نرى طحينا. اذا ما  اقتصرت الجهود على مثل هذا النمط من التفكير، والتركيز فقط على الحديث عن إعادة اعمار الحجر دون إيلاء الانتباه اللازم للبشر، علينا أن لا نستهجن يوما يأتي به من يدعو الى بث ونشر ما يسمى زورا "بالديانة الابراهيمية"  يوكبها التطبيع الكامل بكل أشكاله، كوسيلة خلاص ، وهنا نجد أنفسنا نردد القول" أكلت يوم أكل الثور الأبيض !  

حتى لا نبقى نطارد خيط الدخان، وللتعافي من حالة التشوش العقلي، ودوام الشعور بالإنهاك جراء اضطراب التفكير في ما الذي يجب فعله، أسمح  لذاتي  بالقول أن ما يحتاجه نظام التربية والتعليم في القدس خاصة، وللبشرية جمعاء،  كي يحافظ على دوره في إبقاء المواطنة الوطنية التي استندت وتستند اليها كافة دول العالم.

 وفي ظل التدهور والانزلاق  الخطير، الملحوظ والمخطط له، في القيم والأخلاق والمعتقدات نحو الهاوية ما يلي-
•    البدء بإعادة النظر ومراجعة الحسابات التي تتعلق بدور المدرسة) للمزيد راجع: دور المدرسة في التكافل الاجتماعي، منشورات كير 1995 ) ٌُوواقع المعلم المعيشي والوصول به الى حالة التعافي من اّفة الاحتراق الوظيفي، كي يتمكن من أداء رسالته التربوية بشكل تفاعلي متحررا من مشاعر الإحباط والروتين والعجز، وإيجاد شعور بديل لديه، بأنه ليس مجرد موظّف، بل يقف على تخوم المواجهة، لتأمين الحق المشروع لأطفالنا في التربية والتعليم بأمان وحريّة، كحق مشروع وليس كترف ، رغم كل الصعاب والتحديات الجسيمة. 

•    التفكير خارج الصندوق بخصوص مكان والحيز المطلوب لممارسة العملية التربوية التعليمية، أي ليس فقط المدرسة بجدرانها وطواقمها، بل اناطة دور أكبر للأسرة، كونها خط الدفاع الأول في هذا المضمار، وذلك بالتنسيق مع اتحاد أولياء الأمور وأية مؤسسات مجتمعية أخرى ذات صلة وعدم احتكار الرؤى على رافعي الشعرات السياسية والهيئات المزعومة، مع ضرورة الابتعاد عن المزاجية وشخصنة الأمور حتى نتفادى نهج الاقصاء والارتجالية، قدر المستطاع، الذي أدى الى فشل وضمور النتائج المرجوة من المحاولات السابقة، ولنعمل وفق علاقة التكامل والتعاون دون املاءات من أي جانب، وليكن العمل بروح المسؤولية المشتركة، بدءا بتزويدها بالاحتياجات المادية (كتب، قرطاسية، فرص توسيع مداركها الثقافية والفنيّة والألعاب التربوية

 كي تتمكن من جعل الحوش، وظل أشجار الزيتون وتحويلها الى ساحات للتربية والتعليم. بهذا نضمن تفاعلا ناجعا بين التعليم / التعلم الاجتماعي  من خلال القدرة على تفسير ما يدور من حولنا اذا ما  امتلك الطالب مهارات  التعلم بالملاحظة والتركيز وبالتالي البحث عن حلول للمشكلة وليس التأقلم معها، ولا ضير هنا من توظيف الوسائل التربوية التعليمية ووسائل التكنولوجيا المتاحة وعمل التطبيقات والأفلام التربوية القصيرة، مع ضرورة ترك هامش عريض لممارسة اللعب  الفردي أو مع الأقران، هنا نضمن تواجد فرصا سانحة لتنشئة وتربية كما ننشد، كوننا لا نسعى من أجل تعبئة الفراغ المعرفي  فحسب، بل والتأثير في السلوك ومسارات التفاعل المجتمعي الذي قد يقود الى تأثير دائم ومستحب.  

•    تفعيل/ تكثيف دور مؤسسات الأوقاف الإسلامية والمسيحية – كنائس ومساجد، نحو الوصول الى التجسيد والتطبيق الفعلي للعقيدة الإسلامية والمسيحية وبروح عملية لا مجرد الاكتفاء بالأقوال ، عبر العودة الى انفاذ سلطة القيم والأخلاق ومبدأ الشراكة المسؤولة، ونهج التفكير الابداعي وتعزيز الوعي العام بأهمية ذلك، والحرص على كرامتي المعلم والطالب ، عملا ب " ولقد كرّمنا بني اّدم"  . 

•    هذا ما يجب أن تكون عليه ركائز النظام التربوي التعليمي، اذ بهذا يمكن لهذا النظام القدرة على  تزويد أطراف العملية التربوية التعليمية بمهارات لمواجهة التحديات والصدمات النفسيّة ونضمن عدم الزيادة أو المساهمة في اعداد جيل ضائع / أجيال ضائعة.

•    لوسائل الاعلام ( بمختلف أسماءها و أنماطها) ووسائل التواصل الاجتماعي دور مهم وفاعل في تدعيم كل ما ذكر أعلاه، اذا ما تم توجيهها الوجهة الصحيحة، مع ضمان هامش أكبر لحريتي التفكير والتعبير

•    كذلك الحال، هناك دور هام للمثقفين والكتاب والفنانين في تغذية وتدعيم تلك الجهود المنشودة.

•    عدم اغفال دور البيئة والواقع على الأرض الذي يعيشه المتعلم والمعلم يوميا ( حواجز  تدمير، قتل، تهجير، اعتقالات ومصادرة حرية الحركة والتنقل و التشديد المفروض على حريتي التفكير والتعبير، مع ضرورة الابتعاد عن  ا خطاب الكراهية والتحريض، مدركين مسبقا أن الخلل والمشاكل القائمة هي وليدة سياسة الأمر السياسي المفروض بالقوة وعنجهية مبالغ فيها  .
ختام القول، أعطني تربية وتعليم وطني فعلي، أعطيك مجتمعا متماسكا معافى يسوده السلم الأهلي والتعاضد والتكافل مما يضمن الحفاظ على الحقوق الوطنية للجميع، دون اجحاف أو تمييز أو عنصرية ومفاهيم نمطية سلبية مسبقة. 

كل هذا يكون اذا مارسنا نهج التفكير الانساني الجمعي الموحد، تكون بوصلته حفظ كرامة الانسان بغض النظر عن لونه، جنسه، دينه ولغته، بعد أن نكون قد أسهمنا جميعا في بناء قارب النجاة للكل البشري عامة والفلسطيني المقدسي خاصة.