
منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، تصدّر الخطاب الأوروبي مشهد السياسة الدولية بوصفه دفاعاً عن الأمن القاري وعن مبادئ السيادة والقانون الدولي. غير أنّ التمعّن في طبيعة الانخراط الأوروبي الفعلي يكشف فجوة واضحة بين الخطاب المعلن وحدود الفعل الواقعي، ويطرح تساؤلات جدية حول حقيقة الدور الذي تؤديه أوروبا في هذا الصراع.
فعلى الرغم من حجم الدعم العسكري والمالي غير المسبوق الذي قدّمته الدول الأوروبية لأوكرانيا، ظلّ هذا الدعم محصوراً ضمن إطار غير مباشر، بعيداً عن أي انخراط قتالي مباشر. لم تُرسل قوات أوروبية إلى ساحات المعركة، ولم يُتخذ قرار سياسي بتحمّل تبعات مواجهة مفتوحة مع روسيا. هذا السلوك لا يعكس بالضرورة ضعفاً، بل يعكس إدراكاً أوروبياً عميقاً لمخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة مع قوة نووية، في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية داخلية هشّة في عدد من دول القارة.
في هذا السياق، تبدو أوروبا وقد اختارت إدارة الصراع بدلاً من خوضه، مستفيدة من موقع أوكرانيا الجغرافي والسياسي بوصفها خط تماس يمنع انتقال الحرب إلى العمق الأوروبي. فالهدف العملي لم يكن حسم الحرب عسكرياً، بقدر ما كان احتواءها وإبقاؤها ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، مع السعي في الوقت نفسه إلى إضعاف القدرات الروسية على المدى الطويل.
إلى جانب البعد الأمني، كشفت الحرب عن أبعاد اقتصادية–عسكرية أقل حضوراً في الخطاب العام. فقد أتاحت الحرب للدول الأوروبية إعادة النظر في بنيتها الدفاعية، وتصريف مخزونات عسكرية قديمة، وتبرير رفع ميزانيات الدفاع، وتنشيط الصناعات العسكرية التي شهدت تراجعاً نسبياً في العقود الماضية. بهذا المعنى، تحوّلت الحرب إلى لحظة مفصلية لإعادة تعريف دور القوة العسكرية في السياسات الأوروبية.
على الأرض، أصبحت أوكرانيا ساحة اختبار حقيقية لمنظومات تسليح حديثة وتكتيكات قتالية جديدة، من أنظمة الدفاع الجوي إلى المسيّرات والحرب الإلكترونية وإدارة المعارك الرقمية. هذه التجارب ستنعكس لاحقاً على العقائد العسكرية الأوروبية، غير أنّ كلفتها الإنسانية دُفعت من المجتمع الأوكراني، الذي وجد نفسه في قلب حرب استنزاف طويلة الأمد.
هنا تبرز الإشكالية الأخلاقية والسياسية الأعمق. فالدعم الأوروبي لأوكرانيا، رغم مشروعيته من زاوية الدفاع عن السيادة، تحوّل عملياً إلى إدارة حرب بالوكالة، تُدار بعقل استراتيجي بارد، بينما تُترك الكلفة البشرية والاجتماعية تتراكم داخل الدولة المتضررة. ويثير هذا الواقع تساؤلاً جوهرياً حول مسؤولية القوى الداعمة في إطالة أمد الصراع، بدلاً من الدفع الجاد نحو مسارات سياسية تفضي إلى وقف الحرب.
كما يكشف هذا السلوك عن مفارقة واضحة في الخطاب الأوروبي، حيث يجري التمسك بالقانون الدولي من جهة، والقبول الضمني بتحويل دولة كاملة إلى ساحة مواجهة طويلة من جهة أخرى، ما دامت الكلفة المباشرة لا تُدفع داخل الحدود الأوروبية.
يبقى الرهان الأوروبي على إمكانية ضبط الصراع محفوفاً بالمخاطر. فالتاريخ السياسي والعسكري يبيّن أنّ الحروب بالوكالة نادراً ما تبقى ضمن الحدود المرسومة لها، وأنّ خطأ واحداً في التقدير أو تصعيداً غير محسوب قد يحوّل حرب الاستنزاف المُدارة إلى مواجهة أوسع لا ترغب بها الأطراف جميعاً.
في المحصلة، لا يبدو أنّ أوروبا تتجه نحو حرب مباشرة مع روسيا، بقدر ما تسعى إلى إدارة صراع طويل الأمد بأدوات محسوبة. غير أنّ هذا الخيار، على ما يحمله من عقلانية سياسية، يظل إشكالياً من منظور أخلاقي وإنساني، لأنّه يقوم على افتراض خطِر مفاده أنّ الحروب يمكن إدارتها بلا نهاية، وأنّ الشعوب قادرة على تحمّل كلفة صراعات لم تكن شريكاً في اتخاذ قرارها