لم يعد سرا القول ان السلطة الفلسطينية باتت عاجزة وشبه مشلولة في مواجهة الاجراءات الاسرائيلية المتسارعة بحق التراب والحجر والبشر في ارجاء الاراضي الفلسطينية المحتلة : 

مجلس سلام ترامبي لقطاع غزة دون وجود رسمي وفعلي للسلطة الفلسطينية بعد حملة ابادة جماعية مستمرة مستمرة منذ اكثر من سنتين ونصف ومحاولات بسط السيطرة على القطاع وتقسيمه وتهجير سكانه وفصله عن الضفة الغربية ، وانباء رشحت عن مجلس مماثل يعتزم الرئيس الامريكي دونالند ترامب تأسيسه للضفة الغربية ، التي تشهد حملة عزل لمدنها وقراها عبر بوابات حديدية صفراء وبرتقالية وحواجز عسكرية اذلالية ، وضم اراضي واسعة لصالح المشاريع الاستيطانية وتوسيع المستوطنات وشق الشوارع وهدم المنازل ، او اعتداءات المستوطنين المدججين بالسلاح والمدعومة من المستويات السياسية والامنية في الدولة العبرية ، او بالحصار الاقتصادي المفروض على السلطة ، من خلال احتجاز المقاصة وشح الموارد الخارجية وتكدس عملة الشيكل في البنوك الفلسطينية ، وتقنين ادخال المواد الاساسية من غاز ومحروقات وغيرها ، وعدم المقدرة على ضبط الاسواق والسيطرة على ارتفاع الاسعار المرهقة للمواطن خاصة واننا على اعتاب شهر رمضان المبارك ، والبطالة المتزايدة في صفوف ابناء الشعب الفلسطيني ، او استهداف مخيمات اللاجئين واغلاق مقر الاونروا بالشيخ جراح وانزال العلم الاممي عنه واستبداله بعلم دولة الاحتلال ، ناهيك عن المعاناة التي يكابدها المواطن الضفاوي على المعابر خاصة ما يسمى معبر الكرامة ( جسر الملك حسين ) والقائمة تطول . 

اما القدس ، لب الصراع الازلي ، فتلك حكاية اكثر خطورة ، تصارع وحيدة في مواجهة التهويد الذي يتسارع بوتيرة اكثر ضراوة طالت كافة  مرافق الحياة ، الدينية والمقدسات الاسلامية والمسيحية والتعليمية والاقتصادية ، ورفع الضرائب ، ومؤخرا الحملات الامنية المعززة بعناصر من البلدية الاسرائيلية ، تحت ذريعة البناء غير المرخص في مناطق حزما والعيزرية وقلنديا وكفر عقب ، وكل ذلك لحسم الحدود النهائية للمدينة المقدسة واستيطانها ، عبر ارهاق المواطن ودفعه الى الهجرة الطوعية وبالتالي" اخلاء الميدان الفلسطيني لحميدان الاسرائيلي " !! 

اجراءات احتلالية تعسفية ذات مغازي متعددة وضعت السلطة الفلسطينية في اختبار وجودي حقيقي ، يُعيد الى الاذهان تعريف وظيفتها التي أنشأت من اجلها ، من لبنة للدولة المستقلة الى جهاز لادارة الازمة المتشعبة ، ولكنها اظهرت حتى اللحظة عجزا في محاولاتها حتى في تلبية الاحتياجات الاساسية للمواطن ، الخاسر الاكبر والذي وقع بين فكي كماشة الاجراءات الاسرائيلية التعسفية وعجز السلطة الفلسطينية . 

وهو ما خلق تساؤلات عدة تطفو الى السطح ، من الممكن ان تكون مشروعة ، على سبيل المثل : هل هناك جدوى من ما تدعيه السلطة من اجراءات اصلاحية تقوم بها لم يلمس المواطن العادي حتى اللحظة ، اي آثار تعزز من صموده ؟ هل هناك جدوى من التعينات الاخيرة خاصة في السلك الدبلوماسي ، والتي لم تجلب لنا اي افق لكسر الاجراءات الاسرائيلية التعسفية ؟ وربما هناك من اصبح يتسائل : ما الجدوى من بقاء السلطة الفلسطينية واستمرارها وقد باتت عاجزة عن دفع رواتب موظفيها وتوفير الاحتياجات الاساسية لمواطنيها ؟ 

القيادة الفلسطينية وبصفتها ولي أمر هذا الشعب الغلبان ، وفي خطوة جاءت لاسترضاء العرب والعجم ، قامت بخطوات - تقول عنها اصلاحية - كالمبادرة الى اصلاح المناهج التربوية ، والدعوة الى اجراء انتخابات بلدية محلية وانتخابات للمجلس الوطني قبل نهاية العام الجاري ، وتشكيل لجنة لاعادة صياغة الدستور الفلسطيني – بصرف النظر عن المعارضة من بعض القوى الوطنية للشروط التي تضمنها المرسوم الرئاسي – والتي لم يؤخذ بها او التعاطي معها ، ومراسيم رئاسية اخرى بتعينات خاصة في السلك الدبلوماسي والتي ينظر اليها البعض انها في غير محلها ، وفُصلت – على مقاس عظام الرقبة - بكل الاحوال ، ما الجدوى من مثل هذه الخطوات والاحتلال لا يُعير اية اهمية لها ، وحتى انه وحلفاءه من العجم والعرب باتوا اكثر اهتماما بتلاشي السلطة الفلسطينية والابقاء عليها اسما من دون اي فعل على ارض الواقع ، بل ويمضي الاحتلال في اجراءاته بالقضم والضم ، حتى ان هناك اصوات من داخل المؤسسة الرسمية الاسرائيلية تدعو جهارا الى انهاء السلطة واحتلال كل الاراضي الفلسطينية وتهجير سكانها ، وما صدر عن رئيس حكومة الاحتلال مؤخرا عن رفضه المطلق لاي شكل من اشكال الدولة الفلسطينية ، ما سيجعل من المستحيل اقامة كيان فلسطيني مترابط جغرافيا وديموغرافيا على ارض الواقع . 

فهل حقا بات هناك جدوى من بقاء السلطة الفلسطينية بوضعها العشوائي الراهن ، ام انه ما زال هناك اوراق يمكن للسلطة ان تلعب بها لفرض وجودها ؟ أم ان السلطة باتت عبئا على الشعب الفلسطيني ، خاصة بعد انصهار منظمة التحرير الفلسطينية ، كممثل شرعي ووحيد للشعب العربي الفلسطيني في يوتقتها ، بدلا ان يكون الامر عكس ذلك ، وهو الاصل ؟ 

من دون شك ان الاجراءات الاسرائيلية والتي تلقى ترحيبا علنيا وسريا من حلفاء الدولة العبرية عجما وعربا ، تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية وتجفيف جذورها ، وهو ما يدعو القيادة الفلسطينية - ان ما زالت ترى في نفسها ولي أمر هذا الشعب والمؤتمنة على حقوقه الشرعية - الانتفاض وازالة الغبار عن جوانبها واستبعاد معظم الادوات الحالية التي اظهرت عجزها عن احقاق الحقوق المشروعة ، والتي لا يخرج نطاق عملها عن ببيانات الادانة والاستنكار والاستهجان والترحيب وحتى التوسل ، في محاولة لانقاذ نفسها من المأزق الذي انجرفت نحوه ، وايجاد مكان لها على طاولة اللعبة الدولية مهما كان الثمن ، والتركيز مجددا على احياء منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها الوطنية من سباتها ، والكف عن الانشغال بالصراعات الداخلية على السلطة ، والشروع - قبل التوجه لاي انتخابات عامة ، والتي ان تمت وفق الظروف التي تعصف بالقضية الفلسطينية فستكون كارثية على الشعب الفلسطيني - بحوار وطني شامل ومسؤول ، يقود الى برنامج اصلاحي وطني تحرري جامع يتوائم ومعطيات وظروف المرحلة الراهنة ، واستثمار الحملات الدولية الشعبية الرافضة لاجراءات وممارسات الاحتلال والداعمة للحقوق الفلسطينية المشروعة ، وكذلك إحسان الاستثمار لاعترافات دول غربية بالدولة الفلسطينية ، ما من شأن ذلك ان يُحرر القيادة من التزاماتها التي فرضتها اتفاقيات كان الاحتلال قد بادر الى الالتفاف عليها وتقزيمها كما تهوى اشرعته ، وغير ذلك فلا داعي لبقاء سلطة فلسطينية بلا سلطة ، يتخذها الاحتلال وحلفاءه معبرا لتمرير مخططاتهم الهادفة الى تصفية القضية الفلسطينية وتصفية الوجود الفلسطيني في ارض الاباء والاجداد .