نائب مدير عام الشرطة الفلسطينية

لم تكن المجالس المجتمعية فكرةً عابرة أو استجابةً آنية لظرفٍ طارئ، بل جاءت نتاج رؤيةٍ عميقة استشرفت المستقبل، وانطلقت من إيمانٍ راسخ بأن الأمن المجتمعي الحقيقي لا يُصنع بالقبضة وحدها، وإنما يُبنى بالعقل والحكمة، وبالشراكة الصادقة بين المؤسسة الأمنية والمجتمع. فكرة وُلِدت من رحم الحاجة، وتنامت عبر التخطيط الواعي، حتى شقّت طريقها بثبات إلى أرض الواقع، بجهدٍ وطني قادته الشرطة الفلسطينية بكل مسؤولية واقتدار.

لقد شكّلت المجالس المجتمعية نقلة نوعية في المفهوم الأمني الحديث، حيث أعادت تعريف العلاقة بين الشرطة والمواطن، من علاقة ضبطٍ ومتابعة إلى علاقة شراكةٍ وتكامل. فهي تضم في عضويتها نخبة المجتمع من قادة الرأي، والشخصيات الاعتبارية، والمؤثرين، ورؤساء ومسؤولي مؤسسات المجتمع المدني، ليعملوا جميعاً، بتنظيم وتخطيط مشترك مع الشرطة الفلسطينية، ضمن منظومة واحدة هدفها الأسمى تحصين المجتمع، وحماية نسيجه، وتعزيز استقراره.

وتقوم هذه المجالس على فلسفة الوقاية قبل العلاج، والسعي إلى إخماد بؤر الخلاف في مهدها، ورصد الظواهر السلبية التي تهدد السلم الأهلي، ومعالجتها بالحكمة والمسؤولية والاحتواء، بعيداً عن التصعيد أو تفاقم الأزمات. ولا يخفى أن تعقيدات العمل على الأرض، وتشابك العوامل الاجتماعية والاقتصادية والظروف المحيطة، تفرض بالضرورة البحث عن حلول إبداعية وغير تقليدية، قادرة على السيطرة على الإشكاليات المجتمعية، وابتكار مسارات عملية ومرنة للتعامل مع المشكلات، بما يراعي خصوصية المجتمع ويحفظ كرامة أفراده ويصون السلم الأهلي. ومن هنا جاءت المجالس المجتمعية كأداة فاعلة لقراءة الواقع بعمق، والتعامل معه بعقلٍ مفتوح وروحٍ مسؤولة.

وتكمن فرادة هذه التجربة في كونها ترجمة عملية للشراكة الأمنية المجتمعية، التي تلتقي فيها رغبة المواطنين في المشاركة وصناعة الحلول، مع إرادة الشرطة الفلسطينية في بناء مجتمع آمن، متماسك، وخالٍ من الجريمة. وقد أثبتت الشرطة الفلسطينية، من خلال هذه المبادرة الخلاقة، أنها مؤسسة سبّاقة، تؤمن بأن الأمن المستدام لا يتحقق إلا بتكامل الأدوار، وتوحيد الجهود، واستنهاض الطاقات الكامنة في المجتمع.

إن المجالس المجتمعية ليست إطاراً تنظيمياً فحسب، بل مشروع وطني متكامل، يعكس نضج التجربة الأمنية الفلسطينية، ووعيها العميق بأن الإنسان هو محور الأمن، وأن الاستثمار في وعيه وقيمه هو الطريق الأقصر نحو مجتمع يسوده القانون، وتحكمه العدالة، ويظلله السلام الاجتماعي.

هي رسالة ثقة متبادلة، وعهد شراكة صادق، مفاده أن الأمن مسؤولية الجميع، وأن استقرار المجتمع لا يُصان إلا بتكاتف الشرطة وأبناء الشعب، يداً بيد، وفكراً بفكر، وهدفاً واحداً لا يتجزأ.