خاص صدى نيوز: تشهد مدينة الخليل في الآونة الأخيرة حملة تحريضية من الإعلام العبري، تستهدف صناعاتها وتجارتها التي تُعد من أبرز ركائز الاقتصاد الفلسطيني. صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية نشرت تقريراً مطولاً أعدته مراسلة المستوطنات في الخليل، ركز على اتهامات بالتزييف والتهريب وربطها بتمويل ما تسميه إسرائيل "منظمات إرهابية". هذا التقرير ليس مجرد مادة إعلامية، بل يعكس سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى ضرب الاقتصاد الفلسطيني وإضعافه، خاصة أن الخليل أثبتت خلال الحرب الأخيرة قدرتها على الصمود رغم توقف العمالة في الداخل المحتل، بل استوعبت جزءاً كبيراً من العمالة التي فقدت وظائفها في إسرائيل، وهو ما جعل الاحتلال يستشعر خطراً حقيقياً من قوة الخليل الاقتصادية.

لم يكن استهداف الخليل اقتصادياً حدثاً معزولاً، بل جاء امتداداً لسياسة إسرائيلية متواصلة ضربت في البداية مدن شمال الضفة الغربية مثل طولكرم ونابلس وجنين. فقد شهدت هذه المدن عاماً كاملاً من العمليات العسكرية التي دمرت المنشآت والمحلات التجارية والبنية التحتية، وأعاقت حركة التنقل بشكل شبه كامل. كثرة الحواجز والبوابات على مداخل القرى والمدن جعلت طريق الشاحنات والتجار تستغرق ساعات طويلة، ما قلل من إمكانية وصول البضائع إلى الأسواق في وقتها المناسب وأضعف النشاط التجاري بشكل كبير.

إلى جانب ذلك، لم يعد فلسطينيو الداخل يتسوقون في مدن شمال الضفة كما في السابق، وهو ما يعكس خطة ممنهجة لإفقاد هذه المدن دورها الاقتصادي الحيوي. كما أن الإغلاقات المتكررة لمعبر الكرامة التجاري، الذي يُعد شرياناً أساسياً لإدخال البضائع، أثرت بشكل مباشر على حركة التجارة الفلسطينية، حيث أُغلق لفترات طويلة في وجه الشاحنات، ما أدى إلى خسائر فادحة. يضاف إلى ذلك منع تحويل أموال المقاصة والضرائب، وهو ما فاقم الأزمة الاقتصادية الفلسطينية. هذه المنهجية الإسرائيلية الواضحة في التعامل مع الاقتصاد الفلسطيني تسير وفق خطة مدروسة، مرحلة بعد أخرى، لتنتقل اليوم إلى مصانع وتجّار الخليل باعتبارها القلب النابض للاقتصاد الفلسطيني.

التقرير العبري الذي تابعته صدى نيوز وصف الخليل بـ"إمبراطورية التزييف"، ووصفها أيضاً بمصطلح أكثر خطورة يعكس نوايا مبيتة لاقتصاد المدينة، حيث وصفها بـ"اقتصاد إجرامي بالمليارات"، مدعياً أن مصانعها تنتج مئات الآلاف من الأحذية المقلدة لعلامات عالمية مثل نايكي وأديداس، وتسوق سراويل جينز صينية بعلامة ديزل في نابلس، إضافة إلى منتجات أخرى مثل حلوى الماريجوانا تحت علامات تجارية معروفة. وذهب التقرير إلى القول إن هذه الصناعات تدر مليارات الدولارات، وأن أرباحها تُحوّل إلى "منظمات إرهابية" في الضفة الغربية، على حد وصفه. كما أشار إلى مداهمات إسرائيلية لمبانٍ في الخليل، كشف خلالها عن خطوط إنتاج كاملة للأحذية الرياضية المزيفة، في محاولة لتصوير المدينة كتهديد مزدوج: اقتصادي وأمني.

التحريض لم يتوقف عند حدود الاقتصاد، بل تجاوز إلى البعد السياسي والأمني، حيث ربط التقرير التجارة الفلسطينية بتمويل "المنظمات الفلسطينية"، وهو خطاب يهدف إلى تبرير أي إجراءات إسرائيلية مستقبلية ضد اقتصاد الخليل، بما في ذلك المداهمات، الإغلاقات، أو فرض قيود جديدة، وهو بدأ فيه الاحتلال فعلياً في المنطقة الجنوبية بالخليل، فإسرائيل تحاول عبر هذه السردية أن تكسب غطاءً دولياً لأي خطوات تصعيدية، وأن تُظهر الفلسطينيين كتهديد اقتصادي وأمني في آن واحد.

أما على صعيد الخسائر الإسرائيلية المزعومة، فقد ذكر التقرير أن مراقب الدولة في إسرائيل قدّر عام 2020 خسائر الإيرادات الضريبية بنحو 1.7 مليار شيكل سنوياً، بينما تُقدّر اليوم بنحو 4 مليارات شيكل سنوياً. هذه الأرقام تُستخدم كأداة دعائية لتصوير الفلسطينيين كسبب مباشر للأزمات الاقتصادية داخل إسرائيل، وهو ما يعكس سياسة ثابتة في تحميل الفلسطينيين مسؤولية أي خلل اقتصادي.

هذا الاستهداف ليس جديداً، فقد سبق أن نشرت صحيفة يسرائيل هيوم تقارير مشابهة، تابعتها صدى نيوز في حينه، اتهمت فيها التجار الفلسطينيين بتسريب بضائع من الموانئ الإسرائيلية وبيعها داخل إسرائيل دون دفع الضرائب الكاملة، ما أدى وفق مزاعمها إلى خسائر بمليارات الشواكل. هذه الاتهامات المتكررة تكشف عن استراتيجية إسرائيلية ثابتة تقوم على ضرب التجار الفلسطينيين وتشويه صورتهم أمام الرأي العام.

فالتحريض الإسرائيلي على تجارة وصناعة الخليل ليس مجرد حملة إعلامية عابرة، بل هو جزء من مشروع استعماري يسعى إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني وإضعافه. إسرائيل تدرك أن الخليل تمثل قلب الاقتصاد الفلسطيني، وأن قوتها واستقرارها يشكلان خطراً على مشروعها، ولذلك تسعى بكل الوسائل إلى تشويهها وضربها. وكما تغاضى العالم عن استشهاد أكثر من 71 ألف فلسطيني في غزة، فإنه قد يقف متفرجاً أمام محاولات إسرائيل لتدمير اقتصاد الخليل وباقي المدن الفلسطينية، دون أن يحرك ساكناً.