
300 ألف قتيل في نانجين وآلاف الضحايا في فلسطين… والعدالة الدولية تغيب.
التاريخ ليس مجرد تواريخ وأرقام إنه أرواح فقدت حياتها بيوت تهدمت وعائلات تهجّرت الصمت الدولي أمام الجرائم الإنسانية يترك مساحة للانتهاكات لتتكرر عبر الزمن والمكان في ديسمبر 1937 شهدت الصين واحدة من أفظع المآسي في القرن العشرين: مذبحة نانجين ارتكب الجيش الياباني جرائم جماعية ضد المدنيين وأسرى الحرب شملت القتل المنهجي لمئات الآلاف من الابرياء الصينيين والاغتصاب المنهجي للنساء والفتيات بما في ذلك القاصرات والتعذيب والإذلال قبل القتل لإرهاب السكان المدنيين إلى جانب النهب وحرق المدن لإجبار السكان على الهروب تشير التقديرات التاريخية إلى أن عدد الضحايا وصل إلى نحو 300,000 شخص من بينهم المدنيون غير المسلحين و أسرى الحرب و النساء والأطفال و كما كتب أحد الناجين: “لم أرى في حياتي كل هذا الرعب كان كل شارع يحمل الموت وكل بيت شاهداً على الألم.” بعد الحرب أُقيمت محاكم دولية ووطنية لمحاكمة بعض المسؤولين مثل محكمة طوكيو الدولية ومحكمة نانجين الوطنية لكن العدالة كانت جزئية وعدد المحاكمات محدوداً تاركة ملايين الأرواح المفقودة كذكرى صامتة تحذر البشرية من تكرار المأساة.
زيارتي الشخصية إلى متحف نانجين التذكاري للضحايا كانت تجربة صادمة ومؤثرة و أثناء تجولي بين الصور والوثائق شعرت بثقل التاريخ: مدنيون أبرياء فقدوا حياتهم أطفال وعائلات ممزقة ومدينة بأكملها تعرضت للدمار الكامل المتحف يعرض شهادات شخصية ورسائل وأدلة موثقة تصرخ بالألم والإنسانية الضائعة مثل الرسائل التي كتبها بعض المدنيين قبل وفاتهم والتي تقول: “أتمنى أن يعرف العالم ما يحدث لنا وأن لا ينسى أصواتنا " الجرائم التي ارتُكبت شملت القتل الجماعي العنف الجنسي المنهجي و التعذيب والإذلال قبل القتل والنهب والتدمير هذه المشاهد الواقعية جعلتني أدرك شيئا مهما ان الجرائم الإنسانية لا تتوقف عند حدود الزمان والمكان وإن تجاهلها يبقي الباب مفتوحا لتكرارها. وعلى الرغم من حجم مأساة نانجين فإنها لم تحظ بالاهتمام العالمي نفسه الذي حظي به الهولوكوست ضد اليهود في أوروبا و يبدو أن الاهتمام العالمي اتسم بالتحيز السياسي ما أعطى الهولوكوست رمزية عالمية بينما بقيت مأساة الصين شبه مهملة خارج حدودها.
الهولوكوست أصبح رمزا عالميا للانتهاكات ضد الإنسانية بسبب الضغوط السياسية والدبلوماسية العالمية والتأثير الصهيوني في إبراز هذه المأساة كدرس للعدالة الدولية و لاهداف سياسية خبيثة ومع ذلك ما حدث في نانجين رغم أنه جرائم حرب جماعية ضد المدنيين العزل لم يُدرَس في المدارس العالمية بنفس القدر ولم يخلق نفس الوعي الدولي و كما قالت إحدى الباحثات الصينية: “الآلام الصينية في نانجين لم تُعطَ العالم حق معرفتها رغم أنها كانت واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في القرن العشرين " هذا الاختلاف في التغطية يوضح الفجوة بين العدالة الرمزية والعدالة الواقعية و الضحايا سواء في الصين أو أوروبا أو فلسطين يشاركون في الألم نفسه لكن السياسة الدولية غالبا تحدد من يحظى بالعدالة ومن يُنسى.
منذ عام 1948 شهدت فلسطين جرائم جماعية وانتهاكات متكررة بحق المدنيين شملت مذابح مثل كفر قاسم، دير ياسين، الطنطورة، بالإضافة إلى الحروب المتكررة على غزة التي أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى و من بينهم أطفال ونساء بالإضافة إلى تهجير قسري واسع لعائلات كاملة ،اليوم وسائل الإعلام الحديثة تتيح مشاهدة هذه الانتهاكات مباشرة لكن غياب محاسبة فعالة للقادة المسؤولين يجعل هذه الجرائم تتكرر تماما كما حدث في نانجين و كما كتب أحد الناجين الفلسطينيين: “يبدو أن العالم يشاهدنا ولكن لا يتحرك ونحن ندفع ثمن الصمت".
تاريخيا أظهرت أحداث نانجين أن غياب العدالة والمحاسبة الدولية يتيح تكرار الجرائم نفس النمط نراه اليوم في النزاعات المعاصرة حيث الحصانات السياسية والدبلوماسية تمنع العقاب الفعلي أحيانا الهولوكوست أصبح رمزا عالميا لأن الضحايا كانوا من اليهود وكان هناك تأثير سياسي دولي يضمن بقاء قصتهم في الوعي العالمي بالمقابل ما حدث في نانجين أو ما يحدث في فلسطين غالبا ما يُغفل أو يُهمش رغم حجم المأساة الإنسانية نفسها هذه التناقضات تطرح سؤالا مهما :هل العدالة الدولية مرتبطة بالقوة السياسية أم بالقيم الإنسانية؟
الصين التي عانت من مذبحة نانجين أصبحت اليوم تقريبا دولة عظمى وازنه قوتها العالمية ليست مجرد نفوذ اقتصادي أو سياسي بل تأتي معها مسؤولية أخلاقية وتاريخية الصين تقف مع الشعوب المقهورة والتي تعاني من الاحتلال والظلم منذ تأسيسها وتدعم ثورات التحرر اليوم و منها فلسطين و الشعب الفلسطيني يرى في الصين هبة الله للعالم لأنها تقف مع العدالة ضد الإمبريالية وتشكل توازنا يحد من استمرار الانتهاكات التي ترتكبها القوى الاستعمارية. تؤمن الصين بمبدأ المصير المشترك للبشرية والمنفعة المتبادلة مما يجعلها قوة عالمية مسؤولة تلتزم بدعم السلام وحقوق الشعوب على عكس الولايات المتحدة التي يُلاحظ تاريخيا تورطها المباشر أو غير المباشر في العديد من المآسي والانتهاكات حول العالم وروضع الصين كدولة عظمى يفرض عليها تقديم دور فاعل لوقف الجرائم وتعزيز تفعيل القانون الدولي والإنساني و من واجبها أن تقف ضد الانتهاكات الإنسانية ليس فقط في حدودها بل في كل مكان يتعرض فيه المدنيون للعنف والقتل ، تاريخ الصين وتجربتها مع الاحتلال والجرائم الجماعية يعطيها موقعا فريدا لتكون صوتا عالميا للعدالة والإنسانية ، حماية الشعب الفلسطيني اليوم والدفاع عن المدنيين في أي نزاع هي خطوة نحو حماية جميع الشعوب من تكرار المآسي وتجسيدا لرؤية عالم أكثر عدلا وتوازنا .
بعد الحرب العالمية الثانية حوكم بعض قادة اليابان لكن العدد كان محدودا و العدالة الجزئية لم تمنع تكرار الانتهاكات ، اليوم المشهد مشابه: غياب محاسبة بعض القادة أو حماية سياسية لهم يترك المدنيين في خطر مستمر و الدرس واضح: كلما تجاهل العالم العدالة وحماية المدنيين ازداد عدد الجرائم الإنسانية ، الضحايا بشر متساوون وأي تقاعس دولي يترك أثرا دائما على الإنسانية جمعاء.
التاريخ يصرخ بصوت صامت من نانجين إلى فلسطين: العدالة ليست خيارا بل واجب عالمي. الضحايا في كل مكان يستحقون أن تُحترم كرامتهم وأن يتم محاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية ، الصين و شعوب العالم وكل دولة مسؤولة يجب أن تتعلم من الماضي لحماية المستقبل. الوقوف ضد الانتهاكات اليوم ليس مجرد واجب أخلاقي بل حماية لشعوب العالم من تكرار المآسي غدا .