صدى نيوز - في ختام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وبينما انشغل كثيرون بالعناوين الصاخبة حول الرسوم الجمركية والذكاء الاصطناعي، اتفقت ثلاث من أبرز الشخصيات النسائية في الاقتصاد العالمي على رسالة واحدة: أهمية قراءة دقيقة للأرقام والتحولات الاقتصادية، في وقت يكثر فيه الحديث عن انهيار النظام الاقتصادي العالمي.

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، ومديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، والمديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويالا، قدمن خلال الجلسة الختامية في المنتدى الاقتصادي بدافوس بعنوان "التوقعات الاقتصادية العالمية"، قراءةً متقاربةً لعالم متغير بسرعة، لكنه لم يفقد ركائزه بعد، على حد قولهن.

لاغارد: بين الضجيج والحقيقة

رفضت لاغارد توصيف ما يشهده العالم بأنه انهيار للنظام القائم، معتبرةً أن النظام الاقتصادي العالمي يمر بتحولات واضحة وإعادة ترتيب للعلاقات، مع تركيز أكبر على مواطن الضعف والاعتماد المتبادل بين الاقتصادات.

كما شددت على أن أحد أكبر التحديات اليوم هو الخلط بين الإشارات الحقيقية والضجيج، سواء في الأرقام أو السرديات السياسية، مُشيرةً إلى أن الكثير من معدلات النمو المتداولة هي أرقام اسمية، لا تعكس بالضرورة تحسناً فعلياً بعد احتساب التضخم، في حين أكدت أن المصداقية والصدق في استخدام البيانات باتا عُنصراً أساسياً للحفاظ على الثقة بالسياسات الاقتصادية.

عن الذكاء الاصطناعي، قالت لاغارد إن النقاش لا يجب أن يقتصر على حجم الاستثمار أو التمويل، بل يمتد إلى أسئلة أعمق حول الحوكمة والتنظيم، وتأثير التكنولوجيا على النسيج الاجتماعي، وحذرت من تكرار أخطاء شهدها العالم مع منصات التواصل الاجتماعي.

غورغييفا: نمو "جميل" لكنه غير كاف

من جهتها، رأت غورغييفا أن العالم دخل فعلياً مرحلة جديدة تتسم بكونها أكثر عرضةً للصدمات، سواء جيوسياسياً أو تكنولوجياً أو مناخياً، في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب.

ورغم رفع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي، شددت غورغييفا على أن هذا التحسن لا يجب أن يقود إلى الاطمئنان، إذ أن النمو عند مستويات قريبة من 3%، بحسب قولها، غير كاف لتحمل عبء ديون سيادية تقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول. كما حذرت من الاحتفاء المفرط برفع التوقعات، واصفةً التحسن في أرقام النمو بأنه "جميل، لكنه غير كاف".

تحذير غورغييفا الأبرز جاء من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، إذ توقعت أن يتأثر نحو 60% من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة بهذه التكنولوجيا، ما بين التحسين أو التحول أو الإلغاء. ورغم إمكانية تحقيق مكاسب إنتاجية، رأت أن الخطر الحقيقي يكمن في اتساع الفجوة داخل المجتمعات، والضغط المتزايد على الطبقة الوسطى، وصعوبة دخول الشباب إلى سوق العمل.

أوكونجو-إيويالا: التجارة لم تمت.. لكنها تغيرت

أما أوكونجو-إيويالا، فحاولت تفكيك الفكرة الشائعة بأن العولمة أو التجارة متعددة الأطراف قد انتهت. ورغم ما وصفته بأكبر اضطراب يشهده النظام التجاري العالمي منذ ثمانية عقود، أكدت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية أن نحو 72% من التجارة العالمية لا تزال تجري وفق قواعد المنظمة.

أوكونجو-إيويالا قالت إن النظام التجاري أظهر قدراً من المرونة، لكنه في الوقت نفسه بحاجة ماسة إلى الإصلاح، لا سيما في ظل تصاعد الإجراءات الأحادية والاعتماد المفرط على أسواق أو سلاسل إمداد بعينها. ودعت الحكومات والشركات إلى تنويع شراكاتها التجارية، مُشددةً على أن تنويع الشركاء وسلاسل الإمداد بات أساسياً لتفادي الصدمات.

وفيما يخص الذكاء الاصطناعي، رأت أن هذه التكنولوجيا قادرةٌ على خفض كلفة التجارة ورفع الإنتاجية، لكنها حذرت من أن مكاسبها ستظل غير متوازنة ما لم يواكب انتشارها بشكل أكثر عدالة، وإلا فإنها قد تعمق فجوات قائمة بين الاقتصادات.