صدى نيوز - كشفت السلطات الإيرانية، للمرة الأولى، عن حصيلة رسمية لضحايا الاحتجاجات الأخيرة، معلنة أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصاً، في وقت حذر فيه وزير الخارجية عباس عراقجي من مخاطر انزلاق المواجهة مع الولايات المتحدة إلى صراع شامل.

ويأتي هذا التحذير بالتزامن مع تصاعد التداعيات الداخلية لحملة القمع، واستمرار الاعتقالات وقطع الإنترنت، وتضارب الروايات بشأن أعداد الضحايا، وسط ضغوط دولية متنامية ومطالب حقوقية بالتحقيق والمساءلة.

ووجه عراقجي تحذيراً مباشراً لواشنطن، مشدداً على أن إيران «سترد بكل ما لديها إذا تعرضت لهجوم جديد»، وأشار إلى أن «أي مواجهة مقبلة ستكون طويلة وواسعة النطاق، وستتجاوز حسابات الحرب المحدودة التي تتحدث عنها إسرائيل».

وقال عراقجي في مقال رأي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، إن «المرحلة العنيفة من الاضطرابات الداخلية لم تستمر سوى أقل من اثنتين وسبعين ساعة»، محمّلاً مسؤولية العنف لما وصفهم بـ«المسلحين والمخربين»، لافتاً إلى أن الدولة «استعادت السيطرة».

وأشار الوزير إلى أن بلاده، وعلى عكس ما سماه بضبط النفس خلال حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل في يونيو (حزيران)، لن تتردد في استخدام كامل قدراتها العسكرية إذا فُرضت عليها مواجهة جديدة، مضيفاً أن هذا ليس تهديداً، بل توصيفاً للواقع كما يراه.

وأوضح أن «أي صراع مقبل لن يقتصر على حدود إيران، بل سيمتد ليشمل المنطقة بأسرها، وسيؤثر على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة الملاحة»، معتبراً أن تجاهل هذه المعطيات «يمثل مقامرة خطيرة» من قبل خصوم بلاده.

وفي الوقت نفسه، حاول عراقجي إبقاء نافذة الحوار مفتوحة، مشدداً على أن الدبلوماسية تظل خياراً ممكناً إذا ما تعاملت واشنطن مع طهران باحترام، في إشارة إلى ازدواجية الخطاب بين التهديد والتهدئة.

تأتي تصريحات عراقجي في سياق تصعيد متبادل مع الولايات المتحدة، بعدما رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته مجدداً، ملوحاً بإمكانية التدخل العسكري، ومطالباً بتغيير القيادة في إيران، في تصريحات أثارت ردوداً غاضبة بين المسؤولين الإيرانيين.

وتواصلت تداعيات الحملة الأمنية التي أنهت موجة احتجاجات انطلقت أواخر ديسمبر (كانون الأول) بسبب الأزمة الاقتصادية، قبل أن تتحول في يناير (كانون الثاني) إلى حراك سياسي واسع تحدى النظام علناً، وأدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.

وأعلن التلفزيون الإيراني أول حصيلة رسمية لقتلى الاحتجاجات الأخيرة قائلاً إنه بلغ 3117 قتيلاً.

يأتي ذلك بعدما نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني في المنطقة أن 5 آلاف قتلوا في الاحتجاجات، بينهم نحو 500 من أفراد الأمن. ولم يصدر نفي أو تأكيد من السلطات حينها.

وفق منظمة نشطاء حقوق الإنسان الإيرانيين (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، بلغ عدد القتلى المؤكدين حتى مساء الثلاثاء 4519 شخصاً، بينما لا يزال أكثر من 9000 حالة وفاة قيد التحقيق، في حصيلة وصفت بأنها الأعلى منذ عقود.

وتشير «هرانا» إلى أن من بين القتلى 4251 متظاهراً و197 عنصراً من قوات الأمن، وأفادت باعتقال نحو 26500 شخص، مستندة إلى شبكة من النشطاء داخل إيران، في ظل غياب أي إحصاءات رسمية، واستمرار القيود على الوصول إلى المعلومات.

من جهته، قال محمود أميري مقدم، مدير منظمة حقوق الإنسان في إيران ومقرها أوسلو، إن عدد القتلى قد يتجاوز أعلى التقديرات الإعلامية التي تشير إلى 20 ألف قتيل، واصفاً ما جرى بأنه من أكبر المجازر بحق المتظاهرين في العصر الحديث.

وترافقت هذه الأرقام مع مخاوف متزايدة بشأن مصير المعتقلين؛ إذ تشير «هرانا» إلى اعتقال ما يقارب ستة وعشرين ألف شخص، وسط تحذيرات من احتمال تنفيذ أحكام إعدام بحق بعضهم.

في هذا السياق، صدر بيان تحليلي عن أطباء ومتخصصين طبيين خارج إيران، استندت إليه «هرانا»، تحدث عن أدلة على استهداف محتجين جرحى في أثناء تلقيهم العلاج الطبي أو تركهم دون رعاية.

وأوضح البيان أن مراجعة صور ومقاطع فيديو أظهرت وجود قساطر وأنابيب تنفس ومعدات مراقبة طبية على جثث عثر عليها خارج مرافق العلاج، ما يرجح وفاة أو قتل مصابين بعد بدء العلاج، في انتهاك لمبدأ حياد الطب.

وأشار البيان كذلك إلى مشاهد لجرحى مصابين بطلقات نارية تركوا دون فرز طبي، وإلى شقوق جراحية غير مبررة، إضافة إلى مؤشرات على عنف جسدي شديد وتشويه ونقل جماعي للجثث.

وأكد معدو البيان أن هذه الاستنتاجات، رغم اعتمادها على أدلة بصرية عامة، تتسق مع أنماط انتهاكات ممنهجة، وتهدف إلى دعم أي تحقيقات مستقلة مستقبلية.

بالتوازي، أفاد مرصد «نت بلوكس» بأن انقطاع الإنترنت في إيران تجاوز ثلاثمائة ساعة، مشيراً إلى استخدام ما يعرف بالإنترنت الأبيض للتأثير على الرأي العام خارج البلاد، في وقت لا تزال فيه الاتصالات مقيدة منذ 12 من يناير.

«غير واقعية»

في المقابل، كثفت السلطات الإيرانية عرض روايتها الرسمية للأحداث، حيث شكك رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي في أرقام الضحايا، واصفاً إياها بـ«غير الواقعية»، ومتعهداً بالإعلان عن حصيلة دقيقة لاحقاً.

وقال إجئي إن «المتورطين في القتل والتخريب لم يرتكبوا مجرد إخلال بالنظام العام، بل أفعالاً تمس أمن الدولة»، معلناً عدم إبداء أي تساهل، ومطالباً بتشديد الإطار القانوني.

كما أعلن توجيه الجهات القانونية لإعداد مشاريع قوانين عاجلة إذا وُجدت ثغرات تشريعية، معتبراً أن «ما جرى امتداد لما وصفه بحرب الـ12 يوماً، وأن العدو لجأ إلى الشائعات بعد فشله».

ودعم هذه الرواية عدد من المسؤولين، بينهم رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان إبراهيم عزيزي، الذي دعا إلى إقرار قوانين أكثر فاعلية لدعم الشرطة، مشيداً بما قال إنه فصل ذكي بين المحتجين والمخربين.

بدوره، أعلن قائد الشرطة أحمد رضا رادان استمرار التعامل الحازم مع قادة الاضطرابات، مؤكداً مواصلة العمليات الأمنية في مختلف المحافظات.

وبث التلفزيون الرسمي تقارير موسعة عن الأضرار، شملت جولات ميدانية لصحافيين ودبلوماسيين أجانب، عرضت حافلات محترقة ومباني متضررة ومساجد تعرضت للتخريب. وقال التلفزيون إن 25 سفيراً أجنبياً شاركوا بالجولة بتنسيق مع وزارة الخارجية.

كما نقل التلفزيون الرسمي تصريحات لمسؤول في الطب الشرعي تحدث عن طبيعة إصابات وصفها بالمقصودة، مشدداً على أن بعض الجراح تشير إلى نية القتل، مشيراً إلى خروج نحو ربع سيارات الإسعاف من الخدمة في طهران بسبب الاضطرابات. وفي السياق نفسه، قال مسؤول في مغسلة مقبرة «بهشت زهرا» تحدث عن مشاهد صادمة للجثامين.

الحملة الأمنية

تستمر الاعتقالات عقب موجة الاحتجاجات في إيران، بحسب ما أفادت وسائل إعلام محلية ومنظمات حقوقية، وتواصل وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية نشر تقارير عن توقيف أشخاص تتهمهم بالمشاركة في «عملية إرهابية» حرضت عليها إسرائيل والولايات المتحدة، العدوين اللدودين لإيران.

في سياق متصل، أعلنت وزارة الاستخبارات توقيف وقتل عناصر قالت إنهم ينتمون إلى جماعات مسلحة في بلوشستان، وضبط أسلحة ومواد متفجرة، بينما تحدثت تقارير عن استمرار الاعتقالات في محافظات عدة بينها فارس وكرمان.

في إقليم كردستان، زعمت جماعة كردية إيرانية معارضة في العراق أن إيران استهدفت إحدى قواعدها بطائرات مسيرة وصواريخ، ما أسفر عن مقتل مقاتل، في تطور لم تعترف به طهران رسمياً.

من جهتها، أعلنت نقابة محامي السلطة القضائية رفع شكوى ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومؤسسة بهلوي، متهمة إياهما بـ«دعم الإرهاب والتحريض على العنف».

في الأثناء، نشرت وسائل إعلام إيرانية صوراً للرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف في مراسم عزاء، نافية تقارير تحدثت عن اعتقالهما أو تواصلهما مع معارضين في الخارج.

مشاهدات صحافيين

وقالت الصحافية إلهه محمدي التي اعتقلت في فترة احتجاجات مهسا أميني، في منشور على منصة «إكس»، إن طهران «تفوح برائحة الموت».

وقالت محمدي إن الوصول إلى الإنترنت بات متقطعاً للغاية، ولا يتجاوز نصف ساعة إلى ساعة يومياً، في محاولة لإبلاغ الخارج بأن الصحافيين «ما زالوا على قيد الحياة».

وأضافت أنها لم تشهد في حياتها تساقط الثلوج في طهران من دون أن يقابله أي ابتسام، في إشارة إلى عمق الصدمة العامة. وأوضحت أن صحيفتها «هم ميهن» أُوقفت بعد ثلاث سنوات ونصف سنة من الصدور، مؤكدة أن فريقها حاول خلال الأيام الماضية توثيق ما أمكن من أسماء القتلى والجرحى في مختلف المناطق، ومن شهادات الأطباء والممرضين الذين رأوا الكارثة بأعينهم وبذلوا أقصى ما يستطيعون.

وأضافت أن البلاد «تعيش حالة حداد جماعي، وذهول واسع، وحزن مكبوت يطال الجميع».

كما كتب زميلها محسن صالحي خواه بصحيفة «هم ميهن» الموقوفة، رواية مختلفة الطابع، اتسمت بنبرة تساؤلية حادة حول مسؤوليات الدولة.

وكتب صالحي على منصة «إكس»، أنه بعد 13 يوماً من انقطاع الإنترنت، قصد مقر الصحيفة فقط لتوديع زملائه، مستفيداً من اتصال عابر بالشبكة لنشر موقفه. واستند صالحي‌خواه إلى الرواية الرسمية التي تصف المحتجين بـ«الإرهابيين»، وتنسب سقوط آلاف القتلى إلى «عناصر الموساد»، ليطرح احتمالين: إما فشلاً أمنياً واستخباراتياً جسيماً يستوجبان عزل ومحاكمة القيادات المعنية، وإما علماً مسبقاً بما يجري وترك الأحداث تتفاقم لتبرير قمع واسع النطاق.

وأضاف أن النتيجة، وفق الرواية الرسمية نفسها، تمثلت في ثاني أكبر فاجعة أمنية في تاريخ إيران، مقارنة بحرب الـ12 يوماً التي حصدت عدداً أقل من الضحايا. ونشر صورة لظرف رصاصة كلاشينكوف قال إنه وُجد ملقى في الشارع.

من جانبها، دعت مؤسسة «نرجس محمدي» الحائزة على جائزة نوبل للسلام في 2024، المجتمع الدولي إلى الضغط على إيران لوقف القتل، مطالبة بإلغاء أحكام الإعدام وإعادة الإنترنت وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، محذرة من استمرار الانتهاكات.

وشددت الخارجية الأميركية على أن الاحتجاجات في إيران هي نتاج «سنوات من القمع وسوء الإدارة»، وليست نتيجة تدخل حكومات أجنبية، رافضة محاولات طهران تحميل الخارج مسؤولية ما يجري.

وقالت الصفحة الفارسية الرسمية للوزارة إن اتهام دول أخرى بالتورط في الاحتجاجات يمثل «محاولة مضحكة لإعادة كتابة الواقع»، معتبرة أن إنكار الأسباب الداخلية وإلقاء اللوم على أطراف خارجية لا يخدم سوى الدعاية السياسية ولا يقنع الرأي العام.

وفي موازاة ذلك، دعت الخارجية الأميركية السلطات الإيرانية إلى احترام الحقوق الأساسية للمواطنين، ووقف استخدام العنف ضد المحتجين، والإفراج عن المعتقلين على خلفية الاحتجاجات السلمية، مؤكدة أن تصعيد القمع، بما في ذلك التلويح بالإعدامات، يفاقم عزلة إيران ويعمّق الأزمة بدلاً من احتوائها.