
يُجزم إريك هوبسباوم المتأخّر أن الديمقراطية الحديثة مفصّلة على مقاسات وحدود الدولة القومية الحديثة، ومن اللحظة التي صارت فيها هذه الحدود سائلة ومُخترقة بدأ التشويش على الديمقراطيّة. يبدو أنه صدق في كل ما كتبه بهذا الصدد، لا سيّما عن اختراق دول أو جهات ذات مصالح لجولات الانتخابات في دول أخرى، الأمر الذي يُفقدها النزاهة أو الجدوى بوصف الديمقراطية في أبسط تعريفاتها "حكم الشعب". وهو تعريف يبطل ما دامت الإرادة الانتخابيّة هي إرادة جهات خارج الدولة وخارج الشعب.
أسوق هذا فيما أراه من تدخّل سافر من جهات في المجتمع الإسرائيليّ والجاليات اليهوديّة في الجولة الانتخابيّة القريبة التي بدأنا نستشعرها في كلّ شيء حولنا، خاصة في وسائل الإعلام. ليس أن التدخّل لم يحصل من قبل، لكنّه في هذه المرّة يتّخذ شكلًا أكثر فظاظة من ذي قبل. أو لنقلها بشكل آخر، طالما أن انتصار جهات إسرائيليّة لمصالح الفلسطينيّين في إسرائيل وروايتهم فإنه شكل من أشكال المناصرة والشراكة. وعندما يكون ضمن تعاون يستفيد منه الطرفان فهو لا يزال معقولًا ومقبولًا في العمل السياسيّ. أمّا عندما يصير محاولة متعدّدة الأشكال للتأثير على جهة ذهاب الصوت العربيّ، أو تأييد قائمة عربيّة واحدة وقمع قوائم عربيّة أخرى، أو قمع الصوت العربيّ عمومًا، فإنه تدخّل مرفوض ومُسيء. وهو في أقلّ تقدير يأتي من عقليّة كولونياليّة ومحاولة لتجديد الوصاية على المواطن الفلسطينيّ في إسرائيل من خلال استغلال مأزقه الوجوديّ: "إذا لم تتعاون معنا فإن بن غفير في انتظارك". ونُشير فيما يلي إلى بعض ما يحصل الآن مع التمييز بين شراكة وتعاون وبين تدخّل سافر.
بعض النشطاء من المجتمع اليهوديّ ومعظمهم أكاديميّون ونشطاء مجتمع مدنيّ يدفعون بمنصور عبّاس إلى التخلّي عن مجتمعه في الداخل وعن شعبه الفلسطيني والذهاب في قائمة منفصلة كي يتسنّى لمعسكر المناهضين لنتنياهو ضمّه إلى الائتلاف بعد الانتخابات. هذا بالرغم من أن عددًا من هؤلاء أبدى رفضه للتعاون مع منصور عبّاس الذي بدأ نتنياهو ورهطه حملة لدمغه وإسقاط شرعيّته بوصفه "إخوان مسلمون"! وهؤلاء ـ ونعرفهم شخصيًّا ـ رغم كلّ الهيئة "الديمقراطيّة" و"الليبراليّة" التي يتّخذونها، يُلحّون على منصور عبّاس أن يواصل ابتعاده عن قومه "المصابين بالجذام" أو "الإرهابيّين بالاحتمال" و"غير الشرعيين" لأنهم يستطيعون تسويقه هو وحده. وهم في هذا يعودون إلى زمن كان فيه "أكاديميو" حزب "مباي" يقسّمون العرب بين معتدلين ومتطرّفين، بين عرب إسرائيل وعرب منظمة التحرير! هؤلاء يفكّرون كما يُفكّر اليمين الفاشيّ من حيث لا شرعيّة الصوت العربيّ عمومًا إلّا مَن ثبت أنه فلسطيني بدون هويّة فلسطينية أو أعلن خروجه عن شعبه ومجتمعه خروجًا تامًا إلى إسرائيل التي تقوم على أساس قانون القوميّة. الشرعية عندهم للعربي بدون عروبة وللفلسطيني بدون فلسطين. بيد أنهم أكثر "لُطفًا" و"دماثة" في الكلام من الليكود واليمين الفاشيّ الصريح في رفضه لمواطنة الفلسطينيين أو حقوقهم أيًّا كانت. ومن عادتهم أن يصوغوه بالكثير الكثير من المفردات والادّعاءات والتسويغات الأكاديميّة "العالية"، ليُعيده من ورائهم بعض العرب.
في شقّ ثانٍ من هذا التدخّل يذهب بعضهم أبعد نحو السعي إلى إفشال تشكيل قائمة عربيّة وحدويّة ـ "المشتركة". وقد علمنا بهذا السعي منذ بداية الحديث عن انتخابات قريبة ـ قد تجري وقد تبتلعها حرب إبادة أخرى. هنا، يسود لدى هذه الأوساط الاعتقاد أن المعسكر المناهض لنتنياهو سيحصل على عدد أكبر من المقاعد وأنه لوحده سيستطيع حسم الجولة الانتخابيّة مقابل الائتلاف الحاليّ. وعليه، من الأجدى في مثل هذه الحالة أن يظلّ الصوت العربيّ مشتّتًا وضعيفًا ـ 11 مقعدًا بدل 15 أو 16 مقعدًا في قائمة وحدويّة مشتركة ـ كي تظلّ فرص هذا المعسكر أفضل في تحصيل المقاعد. زيادة مقاعد لقائمة عربيّة وحدويّة ـ 15 مقعدًا وأكثر ـ تأتي باعتقادهم على حساب كلّ من المعسكرَيْن، المناهض للحكومة وللائتلاف الحاكم. وهذا يعني زيادة الوزن النوعي للصوت العربي وإمكانية تأثيره. وهي حالة قد يلتفّ عليها أحد المعسكرَيْن بأن يشقّ صدر الآخر ويخطف كتلة منه إلى ائتلافه. ومع هذا فإن احتمال أن يُعيد العرب تنظيم أنفسهم وبناء كيانهم بعد حرب الإبادة والاقتلاع هو احتمال لا تُريده النُخب اليهوديّة من أقصاها إلى أقصاها ـ أنظر الشريط الدعائيّ العنصريّ لحزب جانتس وبدء انزياحه نحو كتلة اليمين الفاشيّ! والغريب أن بعض العرب بيننا (منهم "نشطاء" وسياسيون وإعلاميون وشخصيّات) مستقتلون في الانخراط في هذه اللعبة الدنسة التي تُريد الإبقاء على انقسامات مجتمعنا وحروبه في خدمة النُخب الإسرائيليّة. وهي خدمة ليس في مقابلها إلّا منافع شخصيّة وليس كما يُشاع من أنها ستجلب الميزانيات للمجتمع العربي. وهو حديث لا يصمد في امتحان واقع الإبادة والتهجير والقمع اليوميّ لا سيّما في النقب "معقِل" القائمة الموحّدة وخزّان أصواتها الرئيسيّ!
جرى في السابق في أكثر من جولة انتخابات تعاون وتنسيق بين جهات في المجتمع الإسرائيليّ وبين جهات في المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل عشيّة جولات انتخابيّة. وأبرز أشكال التعاون إدارة حملات لرفع معدّلات الاقتراع بين المواطنين الفلسطينيّين. وكان واضحًا أن مثل هذه الحملات تخدم الشركاء فيها بالقدر نفسه. أمّا اليوم فإن بعض الإسرائيليين يُريدون الاستفراد في الاستفادة من هذه الشراكات أو التهديد بفضّها في حال أصرّت النُخب الفلسطينية على تشكيل قائمة وحدويّة. من هنا يُمكننا أن نفهم عمليّة التسويق المكثّفة التي تقوم بها هذه الأوساط لمنصور عبّاس شخصيًّا. ومن هنا، أيضًا، ذهاب منصور عبّاس مع هذه الفئات على حساب شعبه ومجتمعه ولو بثمن مهاجمة زملائه في القوائم العربيّة الأخرى صباح مساء في كلّ منبر إعلاميّ يوصله إليه العرّابون واتّهامهم بكلّ تُهمة ممكنة كإحداث الثقب في طبقة الأوزون وأنّهم السبب في عنصريّة العنصريين وقُبحهم.
ما أوردته هنا هو القول الميسّر عن تدخّل سافر ومُعيب لأوساط في المجتمع الإسرائيليّ في إدارة المجتمع الفلسطينيّ، أمّا القول الصعب فهو موجّه للقوى السياسيّة العربيّة التي ترفض هذا النهج. ماذا أنتم فاعلون؟