
صدى نيوز - يسيء محللون ومستثمرون كثر فهم ما يحدث في الاقتصاد الأميركي. يعتقد البعض أن حالة عدم اليقين المحيطة بسياسات الرئيس دونالد ترمب التجارية والاقتصادية الأخرى آخذة في التلاشي، بينما تجادل أقلية مؤثرة بأن عمليات الترحيل والرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة لا تسبب الضرر المتوقع منها.
يشيرون إلى أن التضخم ارتفع بقدر طفيف فقط قبل أن ينخفض في عام 2025، في حين تظهر أحدث البيانات أن الاقتصاد ينمو بأسرع وتيرة له منذ عامين.
تستند هذه التقييمات الخاطئة إلى سوء فهم جوهري لكيفية تأثير حالة عدم اليقين التي تسببها الحكومة على الاقتصاد. هذا الالتباس منطقي، إذ لم تفرض أي إدارة رئاسية هذا النوع من عدم اليقين على القطاع الخاص الأميركي منذ قرن أو أكثر.
كما أن النمو القوي للاقتصاد بفضل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يزيد صعوبة إدراك هذه الأضرار غير المألوفة. مع ذلك، يظهر التحليل الدقيق أن آثار الركود التضخمي لسياسات ترمب بدأت تظهر، وستصبح واضحة جداً مع اقترابنا من 2 أبريل، الذكرى السنوية الأولى لما يسمى "يوم التحرير".
ليس مستغرباً أن يستغرق الأمر وقتاً قبل أن تظهر الآثار المعوقة للرسوم الجمركية وعمليات الترحيل على قرارات الشركات والأسر والمستثمرين في الإحصاءات الحكومية.
في تحليلاتنا لبرنامج ترمب الاقتصادي في "معهد بيترسون"، توقعنا باستمرار أن الأمر سيستغرق عاماً على الأقل قبل أن يظهر تأثيره في بيانات الاقتصاد الكلي. أتوقع أن يرتفع مؤشر أسعار المنتجات الاستهلاكية لعام 2026 بنسبة 4%، وربما أكثر، بحلول الربع الثالث، مقارنةً بنسبة 2.7% في نوفمبر، وهي أحدث قراءة.
حيرة الشركات وسط التساؤلات
قد يبدو هذا كأنه وقت طويل منذ استهل ترمب عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين غير الشرعيين وبدأ بفرض رسوم جمركية شاملة على الواردات، تتفاوت بشكل كبير حسب المنتج وبلد المنشأ. مع ذلك، واجهت الشركات شكوكاً كثيرة كان عليها حلها قبل أن تقرر مقدار رفع الأسعار أو ما إذا كانت ستُغير سلاسل التوريد.
ظهرت أسئلة رئيسية وسط سياسات ترمب منها: هل سينفذ تهديداته بالرسوم الجمركية؟ إذا فعل ذلك، فهل سيتم التفاوض على إلغاء الرسوم الجمركية في صفقة لاحقة أم ستلغيها المحاكم؟ وإذا استمرت الرسوم، فهل يمكن لشركتي أو قطاعي الحصول على إعفاء من خلال الضغط السياسي أو توقع استرداد مثل الذي يقدمه ترمب للمزارعين؟
ثم هناك اعتبارات سلسلة التوريد. هل ينبغي شراء المدخلات من المكسيك بدلاً من الصين؟ هل ينبغي أن أنقل الإنتاج من الصين إلى دولة ذات رسوم جمركية أقل؟ هل ينبغي عليّ إعادة الإنتاج إلى الولايات المتحدة؟
حتى أكبر الشركات المصنعة وأكثرها تطوراً، مثل "كاتربيلر" (Caterpillar) و "تويوتا موتور"، كانت مترددة في اتخاذ قرارات مهمة بشأن إعادة توزيع الإنتاج.
وإذا كانت أكبر الشركات، تلك التي تملك أوسع الموارد التحليلية وأوسع الخبرات العالمية، مترددة، فكم من الوقت سيستغرق الأمر حتى تستجيب الشركات الصغيرة والمتوسطة؟
تأجيل تحميل المستهلكين الأعباء
لقد كسبت الشركات أيضاً بعض الوقت عندما خزنت الواردات قبل الحرب التجارية التي شنها ترمب. لكن بمجرد نفاد هذه المخزونات، كما حدث في معظم قطاعات الاقتصاد حتى الآن، ستضطر إلى تحميل المستهلكين تكاليفها المرتفعة.
كما أن فرض رسوم جمركية غير مسبوقة يستغرق وقتاً ليؤثر على الاقتصاد بسبب تأخر اتخاذ القرارات، كذلك الحال بالنسبة للتحول الجذري في سياسة الهجرة الأميركية.
تزعم إدارة ترمب أنها رحّلت نحو مليون مهاجر غير شرعي خلال السنة الأولى من ولايته الثانية، لكن ما يبدو كأكثر الرسوم البيانية رتابةً في العالم يروي قصةً مختلفة.
تُظهر هذه الخطوط المستقيمة أن مستويات التوظيف في القطاعات الأميركية الأكثر اعتماداً على العمالة غير الشرعية، مثل الرعاية الصحية ورعاية الأطفال والزراعة وتصنيع الأغذية والبناء السكني، ظلت ثابتةً تقريباً منذ تولي ترمب منصبه مجدداً. وهذا يعني ضمنياً أن أعداداً كبيرة من العمال غير الشرعيين لم يغادروا بعد.
على الرغم من صعوبة تتبع العمالة غير الشرعية بطبيعتها، إلا أن البيانات الحكومية لا تكشف عن وجود عدد كبير من العمال الشرعيين، سواءً كانوا مواطنين أميركيين أو أجانب، ينتقلون إلى هذه القطاعات. تتسم هذه المهن بظروف عمل سيئة، وأجور منخفضة، ومزايا قليلة أو معدومة، لهذا السبب يهيمن عليها المهاجرون.
لتحفيز العمال القانونيين على شغل هذه الوظائف، سيتعين على أصحاب العمل دفع أجور أعلى. ومع ذلك، لم تشهد الأجور في هذه القطاعات أي ارتفاع.
الروبوتات والآلات ليسا حلاً
الروبوتات غير جاهزة، والآلات ليست فعالة من حيث التكلفة بما يكفي لاستبدال العمال البشريين ذوي الأجور المنخفضة في مجالات مثل حصاد الفاكهة والخضراوات، وخدمات الرعاية الصحية المنزلية ورعاية الأطفال، وتجهيز الدواجن، والتعدين المكشوف، وبناء المنازل.
على أي حال، كان يُفترض أن تظهر زيادة ملحوظة في الاستثمار في الأتمتة لتوفير العمالة في هذه القطاعات الفرعية في البيانات، لكن لم يحدث ذلك.
كما تحتاج الشركات إلى وقت للتكيف مع سياسات إدارة ترمب، كذلك تحتاج العائلات غير المسجلة. فكروا ملياً في القرارات التي يجب عليهم اتخاذها في ظل هذا الغموض، وهذا ما يفسر تأخر المغادرة وتأخر التأثير الاقتصادي الكلي.
أولاً، هل سينفذ ترمب تهديداته بالترحيل؟ هل سيلاحقني ضباط الهجرة في منطقة سكني أو مكان عملي؟ إذا فعلوا، فكم يمكنني أن أكسب قبل ذلك؟ هل أغادر بمفردي لأتمكن من التقدم بطلب للحصول على إقامة قانونية لاحقاً؟ هل آخذ عائلتي معي أم لا؟
أما أصحاب العمل الذين يعتمدون على العمالة غير المسجلة، فلديهم قراراتهم الخاصة التي يجب عليهم اتخاذها. يمكن القول إن كثير من الشركات اختارت المخاطرة بمداهمات إدارة الهجرة والجمارك الأميركية لأنها تستطيع دفع أجور أقل بينما عمالها تحت التهديد، وتأجيل البحث عن عمال جدد، وإن كان ذلك على حساب بعض التكاليف من حيث دوران الموظفين والتغيب عن العمل.
في وقت ما من عام 2026، يُتوقع أن تتطابق الأرقام التي تعلنها الإدارة بشأن صافي تدفق المهاجرين إلى الخارج مع الواقع، مع العلم أن هذا الرقم سيشمل أيضاً عدداً كبيراً من المهاجرين الحاصلين على وثائق إقامة.
عندها، ستشهد سوق العمل نقصاً في بعض القطاعات، ما سيضطر أصحاب العمل إلى رفع الأجور لسدّ الشواغر، وبالتالي سيزيد من الضغوط التضخمية.
الأثر على النساء العاملات
على سبيل المثال، ترتفع تكاليف الرعاية الصحية المنزلية بمعدل 12% سنوياً وفقاً لأحدث البيانات، وهو معدل يقارب أعلى مستوياته منذ عقود.
وقد يدفع هذا بعض النساء العاملات إلى العمل بدوام جزئي أو الخروج من سوق العمل تماماً لرعاية أفراد أسرهن، كما حدث خلال الجائحة (وإن كان على نطاق أضيق).
كما يفسر اتخاذ القرارات في ظل عدم اليقين، التناقض الواضح في الاستثمار في الاقتصاد الأميركي، حيث يشهد الذكاء الاصطناعي والصناعات المرتبطة به ارتفاعاً ملحوظاً، بينما يظهر باقي الاقتصاد نمواً شبه معدوم.
إن ازدهار بناء البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مثال بارز لما أسماه الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، روبرت سولو "التقدم التقني الخارجي"، الذي يتمثل عادةً في ظهور تقنية جديدة تحفّز نمواً اقتصادياً مستقلاً عن الدورة الاقتصادية المعتادة.
كانت النفقات الرأسمالية على مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية المتطورة وغيرها من معدات الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربعين الثاني والثالث من عام 2025.
لكن لماذا يكون الاستثمار الخاص في باقي قطاعات الاقتصاد ضعيفاً جداً في حين أن النظام الضريبي يصبح أكثر ملاءمةً له (وذلك جزئياً بفضل بنود قانون "القانون الشامل والجميل" الذي أصدره ترمب)؛ في حين أن أسعار الفائدة الحقيقية منخفضة تاريخياً، ويُرجح أن تنخفض أكثر بفضل الاحتياطي الفيدرالي؛ وميزانيات الشركات قوية والائتمان الخاص متاح على نطاق واسع؛ وأسعار الطاقة في انخفاض؛ وعملية إلغاء القيود التنظيمية جارية؛ ولم تعد عمليات اندماج الشركات معرقلة كما كانت في عهد إدارة جو بايدن؟ معتاد أن يتوقع المرء ازدهاراً في استثمارات الشركات في ظل هذه الظروف.
مرة أخرى، يعزى السبب الرئيسي إلى حالة عدم اليقين الناجمة عن السياسات. إلى جانب التغييرات في سياسات التجارة والهجرة، فإن قضم إدارة ترمب للمعايير الأميركية السابقة المتعلقة بسيادة القانون والفساد الحكومي والمصالح الشخصية وتوفير التكنوقراط للبيانات الاقتصادية والعلمية، واستقلالية البنك المركزي، كلها عوامل لها آثارها السلبية.
كما أوضح المنظران الاقتصاديان أفيناش ديكسيت وروبرت بينديك، يميل مديرو الأعمال إلى الاستجابة لتزايد حالة عدم اليقين بتقليص الإنفاق الرأسمالي على مشاريع مثل المصانع الجديدة، لأن هذه النفقات غير قابلة للاسترداد إلى حد كبير.
هل تشهد الولايات المتحدة لحظة "بريكست"؟
تواجه الولايات المتحدة في عهد ترمب وضعاً مشابهاً لما واجهته المملكة المتحدة في أعقاب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، الذي تسبب في ركود الاستثمار الخاص لعدة سنوات، ما أدى إلى تباطؤ النمو.
وقد يعوض الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وما يترتب عليه من مكاسب محتملة في الإنتاجية، جزءاً كبيراً من الانكماش الناتج عن تأثير الرسوم الجمركية وعمليات الترحيل التي ستبدأ في عام 2026.
في الواقع، سيؤدي التحفيز الناتج عن طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية والسياسات المالية الأكثر مرونة إلى تفاقم الضغوط التضخمية الناجمة عن سياسات ترمب التجارية والهجرة، مع ازدياد انتشار نقص العمالة والمدخلات المستوردة.
إن عدم ظهور الآثار الكاملة لبرنامج ترمب حتى الآن لا يعني أن علم الاقتصاد السائد كان على خطأ. بل هو مؤشر على كيفية تسبب حالة عدم اليقين في تأخير عملية صنع القرار أو حتى شلّها.