
ليس عيباً أو حراماً أنْ تقوم القوى السياسية والاجتماعية والفصائل العسكرية، كما هي الدول، بمراجعة وتقييم برامجها وتدقيق أولوياتها وصياغة تحالفاتها، والنظر في وسائل وأساليب عملها في إطار تحقيق الثالوث المقدس للشرعية "التأييد الشعبي للمنهج والثقة بالمؤسسات والأشخاص والرضا عنهما" ومصالح شعبها، وبقائها واستمراريتها. إنّ التقييم أو المراجعة لا يصلح بتاتاً دون نقدٍ ونظرٍ وتحقيقٍ قائم على إعمالِ العقل وانفتاحٍ على الأطراف الصديقة والمخالفة، ودون قراءة مدققة للتغيرات، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ على طريقة ابن خلدون في التأريخ أو تدوينه.
يقال إنّ أفضل الأوقات للقيام بالتقييم تأتي في ذروة النجاحات، وأحسنها في أوقات الأزمات، وأسوئها في أوقات الانكسارات. لكنه ضرورة لا مفر منه في جميع الأوقات. فالمراجعة هنا ليست فقط للمساحات المتوفرة للسياسيين أو الإرادة المتبقية للمقاتلين على المستوى الحزبي فقط، بل لإعادة النظر في البنى المؤسسية والبرامج السياسية والأولويات الوطنية ووسائل النضال وأساليبها، وتغليب مصلحة المواطنين على مصلحة السياسيين، وتعظيم مصالحة الدولة "الشعب" على مصلحة الحزب، وإعادة النظر في بناء التحالفات الواجبة والممكنة مع الأطراف المختلفة وفي المناطق المتعددة.
إنّ التقييم والمراجعة هي استدراكات لما فات من فهم وعمل في السياسة والحياة؛ أي اعتراف بالأخطاء والإقرار بها دون مواربة أو لوم للآخرين، وهي خطوة أولى لبناء المستقبل متسلحة بدروس الماضي ومعرفة دقيقة لضرورات الحاضر واحتياجات الغد. لكن يصبح التقييم في زمن الانكسار "كالعملية الجراحية" أصعب على الجماعة، وأكثر كلفةً على الأفراد، وأعمق ألماً على المؤيدين، وهو يتطلب تضحيةً واسعةً ودفع ثمناً باهظاً للخروج من الحالة القائمة. على إثره هذا النوع من التقييم، قد تضطر القوى السياسية لإحداث تغيير في بنيتها وفكرها ووسائلها وفي تحالفاتها، ومع ذلك قد يُدرك ذلك في حال أسرعت هذه القوى في التقييم والبدء في إحداث التغيير.
في ظني أنّ القوى السياسية الفلسطينية ما زالت غير قادرة على استيعاب الزلزال الذي ضرب قطاع غزة، وفهم طبيعة الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني وتبعاتها على ديناميكيات الحياة ومكنزمات التحولات في البنى الثقافية والاجتماعية المولدة للحراكات الاجتماعية والحركات السياسية، لذا يصبح معها واجباً السؤال: هل تصح المراجعة والتقييم بعد خراب مالطا؟.