
بات هناك شبه إجماع بين الباحثين والمحلّلين في أمرين مترابطين: أولًا، أنّ سلوك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يمثّل أحد أكثر الأنماط السياسية استعصاءً على التوقّع، إذ اتّسمت قراراته الخارجية بدرجة لافتة من التقلب الحاد والتنقّل السريع، بين خطاب التهدئة ولغة التصعيد، وتبدّل الأولويات من دون مقدمات واضحة، الأمر الذي يجعل استشراف توجهاته المقبلة، ولا سيما تجاه إيران، مهمة شديدة التعقيد.
وثانيًا، أنّ المشهد الإقليمي والدولي ازداد تعقيدًا بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إذ تبدلت كثير من القواعد التي حكمت النظام الدولي، والسلوكين السياسيين الأميركي والإسرائيلي على وجه الخصوص، وبرزت أنماط جديدة من استخدام القوة، وتآكلت الحدود التي كانت تضبط الاشتباك العسكري والدبلوماسي، بما جعل المنطقة أكثر هشاشة، وأقل قابلية للتنبؤ.
ورغم هذه الضبابية، فإنّ احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مع إيران يبدو اليوم أعلى مما كان عليه خلال الفترة الماضية. وما يلفت النظر أنّ المبادرة -إن وقعت- يُرجّح أن تأتي هذه المرة من الولايات المتحدة مباشرة لا عبر إسرائيل خلافًا لما حدث في المواجهة الأخيرة التي امتدّت اثني عشر يومًا.
ويستند هذا التقدير إلى طبيعة التصريحات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة، التي ركّزت بصورة متزايدة على دعم الاحتجاجات داخل إيران، بالتوازي مع خطوات إسرائيلية ذات طابع إستراتيجي -تتجاوز أبعاد الحرب المحتملة مع إيران- مثل تعزيز الحضور العسكري في البحر الأحمر، عبر الاعتراف بـ"صوماليلاند"، إضافة إلى إعلان حالة الطوارئ في عدد من المستشفيات. ورغم تباين دلالات هذه الخطوات، فإنّ المؤشر الأخير يمكن قراءته في سياق الاستعداد الداخلي، لاحتمالات تصعيد جديد.
ويفسَّر هذا الاتجاه على مستويين مترابطين؛ على المستوى الأول، تواصل واشنطن التعامل مع الشرق الأوسط بوصفه مجالًا ينبغي إعادة تشكيله، بما يضمن تفوّقًا إستراتيجيًا شبه مطلق لإسرائيل. إذ يشير الدكتور عزمي بشارة إلى أنّ هذا المنطق يقوم على تثبيت إسرائيل كقوة قيادية مركزية في المنطقة، ودفع الإقليم كلّه إلى العمل ضمن معادلة تهيمن عليها موازين قوة تصبّ في صالح المشروع الإسرائيلي - الأميركي. وتنعكس هذه الرؤية في تهميش قواعد القانون الدولي، وفي التعامل مع الإقليم وفق مبدأ القوة؛ أي أنّ من يملك القوة يملك الحق في صياغة السياسة، وترتيب أولويات الأمن.
أما على المستوى الثاني، فترى الولايات المتحدة في إضعاف إيران أو تغيير بنيتها السياسية، خطوة حاسمة لاستكمال عملية إعادة ترتيب المنطقة، فإيران تُعدّ آخر مركز قوة إقليمي قادر على تعطيل المشروع الإسرائيلي - الأميركي، سواء عبر دعم حركات المقاومة، أو عبر قدراتها العسكرية والصاروخية والنووية. ومن هنا فإن تحجيم إيران ليس هدفًا منفصلًا، بل هو استمرار لمنطق الهيمنة الذي يقوم عليه المستوى الأول.
في هذا السياق، تتبلور سلسلة من الأسئلة بشأن السيناريوهات الممكنة داخل إيران نفسها. فالاحتجاجات الداخلية الجارية في إيران تحولت إلى عامل شديد التأثير في حسابات واشنطن، فإذا لاحظت الولايات المتحدة أنّ الاحتجاجات تتوسع بما يهدد بنية النظام، فقد تفضّل تأجيل العمل العسكري لترك الضغط الداخلي يؤدي دوره، وتعمل على دعمها بوسائل متعددة، سواء مباشرة وغير مباشرة. أما إذا بدا أنّ النظام قادر على استيعاب موجات الغضب الشعبي، وأن الاحتجاجات مرشّحة للانحسار، فقد يعاد النظر في خيار الضربة، باعتباره أداة لمنع النظام من استعادة زمام المبادرة.
لكنّ فهم المشهد الإيراني يتطلّب النظر إلى بنية النظام نفسه، فخلال السنوات الماضية، أثبتت إيران أنها اعتادت خوض صراعاتها منفردة من دون انتظار أحد، أو الضغط على حلفائها للانخراط في حروبها. وفي المقابل أيضًا، شهدت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة تدهورًا غير مسبوق في مستوى الثقة، فبعد الحرب الأخيرة وما تردد أميركيًا حول استخدام المفاوضات كأداة للخداع والمراوغة، باتت طهران أكثر قناعة بأنّ أي مسار تفاوضي مع واشنطن، قد يكون في جوهره وسيلة لشراء الوقت، أو لجمع المعلومات، لا بوابة لتسوية سياسية حقيقية. وانعدام الثقة هذا ينعكس مباشرًا على طريقة قراءة طهران لأي تحرك عسكري أو سياسي أميركي.
وفي الداخل، يُظهر النظام الإيراني درجة ملحوظة من المرونة والديناميكية في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية، فالمؤسسات الإيرانية باتت أكثر ميلًا إلى مراجعة تجاربها وتصحيح الثغرات وتراكم الخبرات مع اعتماد متزايد على القدرات الذاتية، بدلًا من الارتهان إلى الدعم الروسي أو الصيني، كما يُصوّر أحيانًا في بعض التحليلات الإعلامية.
وفي الوقت نفسه، تبدو طهران منفتحة على إعادة بناء علاقات جديدة مع دول كانت بينها وطهران توترات، مدفوعة بقناعة أنّ التمدد الإسرائيلي في الإقليم، سيجبر مختلف الأطراف على التعاون في مرحلة ما، سواء تعارضت المصالح أم تقاطعت.
وبالعودة إلى سيناريو التصعيد، يُرجَّح أن تكون الولايات المتحدة –لا إسرائيل– هي الطرف الذي يبدأ بالهجوم، فالهجوم الإسرائيلي بحمولته الرمزية والتاريخية في الوعي الإيراني، سيؤدي على الأرجح إلى تعزيز التماسك الداخلي، وخلق اصطفاف وطني حول القيادة، بما يمنح النظام فرصة واسعة لاستثمار الضربة، تعبويًا وسياسيًا.
مع ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو المبادرة الإيرانية بالهجوم، إذا استشعرت القيادة وصول الضربة الأميركية إلى مرحلة الحتمية، فقد ترى طهران أن الضربة الاستباقية سواء تجاه إسرائيل أو ضد القواعد الأميركية المباشرة، قد تمنحها فرصة لكسر الإيقاع، وتغيير قواعد الاشتباك، وفرض كلفة عالية على خصومها، قبل دخول المواجهة مراحلها الأشد.
ويبقى سيناريو سقوط النظام الإيراني واحدًا من أكثر المسارات استبعادًا وتعقيدًا في الوقت الراهن، فحدوثه لن يقود إلى أيّ شكل من أشكال الاستقرار، بل سيُنتج فراغًا إقليميًا واسعًا ستسارع إسرائيل إلى استثماره من أجل تعزيز هيمنتها، وإعادة هندسة المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط، بما يخدم مصالحها الإستراتيجية. ومن شأن هذا الفراغ أن يرفع كلفة التهديدات المباشرة على الدول العربية التي بدأت تستشعر حجم هذا الخطر بوضوح، خصوصًا بعد القصف الإسرائيلي على الدوحة، العام الماضي.
ومع ذلك، فإنّ التركيز النقاش حول سيناريو السقوط الكامل، قد يحجب مسارًا آخر لا يقل واقعية، فإنّ أحد المسارات التي لا يمكن غضّ الطرف عنها، تتمثل في الاكتفاء باستبدال بعض رموز الطبقة القيادية الحاكمة داخل النظام من دون المساس ببنيته الأساسية.
ويقوم هذا التصوّر على استبدال شخصيات محدّدة تُعدّ -من وجهة النظر الأميركية- الأكثر تشددًا، أو الأكثر تأثيرًا في رسم السياسات النووية والإقليمية، مع الإبقاء على الهيكل السياسي والمؤسسي للدولة كما هو. ويستند هذا النموذج إلى التجربة الأحدث في فنزويلا، ولو في إطارها العام، حيث سعت واشنطن إلى تغيير رأس السلطة أو النخبة الحاكمة من دون تفكيك النظام نفسه، وإن كانت الظروف السياسية والبيئة الاجتماعية في إيران، تختلف جذريًا عن نظيرتها الفنزويلية.