
يُستدعى التصدير عادةً بوصفه الوصفة السحرية للخروج من الركود: “وسّعوا الأسواق، زيدوا الصادرات، وستتحرك عجلة النمو”. لكن هذا الخطاب يتجاوز السؤال الجوهري في الحالة الفلسطينية: هل نملك فعل التصدير أصلًا؟ أم أننا نمارس نشاطًا إنتاجيًا يُسمّى تصديرًا، من دون الأدوات التي تجعل منه سياسة اقتصادية قابلة للاستدامة؟
في الاقتصادات الطبيعية، التصدير قرار سيادي تُديره الدولة عبر منظومة متكاملة: منافذ، اتفاقيات، تأمين صادرات، وبنية لوجستية تخفّض الكلفة وتزيد اليقين. أمّا في فلسطين، فالتصدير ليس مسألة سوق فقط، بل سلسلة تحكّم خارجية تبدأ من المعابر ولا تنتهي عند المواصفات والإجراءات والزمن. هنا تتحول المنافسة من سباق إنتاجي إلى مقامرة لوجستية.
حين يصبح الوصول إلى السوق امتيازًا لا حقًا
المُصدِّر الفلسطيني لا يواجه سؤال “كم أستطيع أن أبيع؟” بقدر ما يواجه سؤال “هل أصل في الوقت المناسب؟”. التأخير، التفتيش، إعادة الفحص، وعدم اليقين في مواعيد العبور تُضيف كلفة خفية تُعرف اقتصاديًا بـ تكلفة اللايقين. هذه الكلفة لا تظهر في جداول المحاسبة، لكنها تنعكس بوضوح في السعر النهائي، وفي فقدان عقود، وفي تآكل الثقة لدى المستوردين.
والأرقام هنا ليست تفصيلًا: فبحسب أحدث البيانات المتاحة، لم تتجاوز قيمة الصادرات الفلسطينية في عام 2023 نحو 1.5 مليار دولار (سلع وخدمات)، أي ما يقارب 8% من الناتج المحلي الإجمالي—وهي نسبة متواضعة مقارنة باقتصادات صغيرة مفتوحة تتجاوز فيها الصادرات 20–40%. والأهم أن أكثر من 80% من الصادرات تتجه إلى سوق واحدة (إسرائيل)، ما يكشف تركّزًا جغرافيًا حادًا لا يعكس تفضيلًا تجاريًا بقدر ما يعكس قيود النفاذ، ويحوّل “التصدير” من سياسة تنويع إلى حالة تبعية سوقية عالية الهشاشة.
قطاعات تصديرية… والأكثر حساسية للزمن
يتكوّن هيكل الصادرات الفلسطيني أساسًا من الزراعة والغذاء—زيت الزيتون ومشتقاته، التمور، الخضار والفواكه—ثم الحجر والرخام ومواد البناء، فالصناعات الخفيفة والحِرَفية، وصولًا إلى الخدمات الرقمية الصاعدة. اللافت أن هذه القطاعات، رغم ما تحمله من قيمة مضافة محلية وتشغيل واسع، هي في معظمها الأكثر حساسية للزمن وكلفة العبور. أي أن البنية التصديرية نفسها مُعرَّضة بنيويًا لما يمكن تسميته “تكلفة اللايقين”. فحين يصبح وقت الوصول غير قابل للتنبؤ، يفقد المنتج جزءًا من تنافسيته قبل أن يُقاس بجودته أو بسعره. والمفارقة أن القطاع الوحيد الذي يُظهر نموًا أسرع نسبيًا هو الخدمات الرقمية—وهو الأقل اعتمادًا على العبور المادي—في إشارة واضحة إلى أن حيثما يخفّ عبء الزمن، يرتفع الأداء.
تصدير بلا سياسة… نشاط لا مسار
حين نطالب بزيادة الصادرات، نفترض وجود سياسة تصدير وطنية. لكن ماذا تعني هذه السياسة عمليًا؟ عادةً تشمل ترتيبات عبور مستقرة، واتفاقيات تجارة تفتح أسواقًا، وأدوات لتأمين الصادرات وتقاسم المخاطر، ومنظومة لوجستية تقلّص الكلفة وترفع الموثوقية. في الحالة الفلسطينية، يغيب معظم هذا الإطار. لا توجد مظلة وطنية لتأمين الصادرات، ولا قدرة على التفاوض التجاري المباشر على شروط النفاذ، ولا سيطرة على زمن العبور. النتيجة أن التصدير يتحول إلى نشاط استثنائي يعتمد على مبادرات فردية، لا إلى مسار تنموي تقوده الدولة والقطاع الخاص ضمن رؤية مشتركة.
مجلس التصدير… مؤسسة بلا أدوات سيادية
قد يُقال إن فلسطين تمتلك إطارًا مؤسسيًا للتصدير من خلال مجلس التصدير الفلسطيني والاستراتيجية الوطنية ذات الصلة. وهذا صحيح من حيث الشكل. غير أن الإشكالية ليست في غياب المؤسسات، بل في حدود قدرتها الفعلية على إدارة “فعل التصدير” نفسه. فالمجلس، بوصفه منصة تنسيقية بين القطاعين العام والخاص، يضطلع بدور مهم في التخطيط والدعم والترويج، لكنه يعمل ضمن فضاء لا يملك أدوات السيادة على المعابر، ولا صلاحيات تفاوض تجاري مباشر، ولا آليات وطنية لتأمين الصادرات أو تقليص مخاطر الزمن وعدم اليقين. استمرار تركّز الصادرات في سوق واحدة، وبقاء القطاعات الأعلى وزنًا هي الأكثر حساسية للزمن، يدلّ على أن المشكلة ليست في نقص الاستراتيجيات، بل في غياب السيطرة على شروط الوصول إلى السوق.
إغلاق معبر الكرامة… حين تنقطع الرئة الشرقية
تتجلّى هشاشة البنية التصديرية بوضوح في أثر إغلاق معبر الكرامة، المنفذ الأساسي للصادرات المتجهة نحو الشرق والأسواق العربية. فالإغلاق لا يعني تأخيرًا فحسب، بل تعطّلًا فعليًا للتصدير، لأن البدائل المطروحة إمّا غير متوفرة، أو عالية الكلفة، أو غير مناسبة للمنتجات الحساسة للزمن—خصوصًا الزراعية والغذائية. هنا لا يعود السؤال لوجستيًا، بل بنيويًا: اقتصاد يعتمد على منفذ واحد يفقد قدرته على الوصول إلى أسواقه الطبيعية بمجرد إغلاق هذا المنفذ. والأهم أن هذا التعطّل لا يصيب شحنة بعينها، بل يضرب الثقة التعاقدية مع المستوردين في الدول العربية، ويُقصي المنتج الفلسطيني من سلاسل توريد تتطلب انتظامًا وتوقّعًا في المواعيد.
وماليًا، لا تتوافر أرقام رسمية موحّدة للخسارة الإجمالية الناتجة عن الإغلاق، لكن التقديرات القطاعية تشير إلى أن كلفة تأخير أو إلغاء الشحنات—خصوصًا الزراعية والغذائية—قد تُكبّد المصدّرين خسائر مباشرة بآلاف الدولارات للشحنة الواحدة (بين تلف جزئي/كامل، إعادة تخزين، ورسوم إضافية)، فضلًا عن خسائر غير مباشرة تتمثل في فقدان عقود مستقبلية وتآكل الثقة لدى المستوردين. ومع تكرار الإغلاقات أو التعطيل، لا تُقاس الخسائر بشحنة هنا أو هناك، بل بملايين الدولارات سنويًا على مستوى القطاع نتيجة ارتفاع الكلفة اللوجستية وخروج المنتج الفلسطيني من سلاسل توريد إقليمية تتطلب انتظامًا صارمًا في المواعيد.
من مشكلة إجرائية إلى مأزق بنيوي
قد يبدو ما سبق عوائق إجرائية يمكن تحسينها بالتدريب أو بتبسيط الإجراءات. لكن جوهر المشكلة بنيوي: فعل التصدير ذاته ليس في يد الاقتصاد الفلسطيني. ما دام قرار العبور وتوقيته ومعايير القبول في السوق لا تُدار ضمن إطار سيادي، فإن أي تحسّن تقني سيظل محدود الأثر. وهذا يفسّر لماذا لا يتحول التصدير إلى قاطرة نمو حتى حين ترتفع الأرقام في فترات معينة: النمو القائم على نشاط لا نتحكم بأدواته يبقى هشًا وسريع التراجع.
ما الذي يعنيه عمليًا بناء “فعل التصدير”؟
إذا كان جوهر الأزمة بنيويًا، فالسؤال التالي يصبح: ما الذي يعنيه عمليًا بناء “فعل التصدير”؟ لا يمكن القفز فوق الواقع السياسي، لكن يمكن العمل على مساحات تقلّل هشاشة التصدير وتعيد له معنى السياسة الاقتصادية. فبناء هذا “الفعل” لا يعني مطالبة المنتج بأن يكون أكثر تنافسية فحسب، بل توفير إطار يحمي الزمن ويُؤمّن المخاطر ويجعل الوصول إلى السوق حقًا لا مقامرة. ويبدأ ذلك من أدوات وطنية—ولو محدودة—لتقاسم مخاطر التأخير وعدم اليقين، ومن استثمار ذكي في لوجستيات تُخفّض أثر الزمن، ومن انتقاء أسواق ومسارات أقل حساسية للتقلبات وبناء علاقات طويلة الأمد معها. كما يعني إعادة توجيه جزء من القيمة المضافة نحو خدمات رقمية ومعرفية تقلّ اعتمادًا على العبور المادي، والبحث عن صيغ اندماج إقليمي غير تقليدية تخلق “منافذ وظيفية” حتى في غياب السيادة الكاملة. الخلاصة أن التنافسية لا تُبنى داخل المصنع فقط، بل عند بوابة السوق أيضًا.
الخلاصة
التصدير في فلسطين ليس مشكلة أرقام، بل سؤال سيادة على الفعل الاقتصادي. ما لم ننتقل من الحديث عن “زيادة الصادرات” إلى بناء شروط “إمكانية التصدير”، سيبقى التصدير نشاطًا بطوليًا فرديًا، لا سياسة عامة قادرة على توليد نمو مستدام. الاقتصاد الذي يُنتج ولا يصل، هو اقتصاد يعمل بلا منافذ. واستعادة معنى التصدير تبدأ من الاعتراف بأن السوق لا يكفي وحده—نحتاج إطارًا يحمي الزمن، ويُؤمّن المخاطر، ويمنح المنتج حق الوصول قبل أن يطالبه بالمنافسة.