
لم يعد العالم يعيش أزمات متفرقة، بل لحظة تاريخية واحدة تتشكّل على مهل، بقوة السلاح والاقتصاد والتحالفات. فمن فنزويلا وكوبا الى جرين لاند ومن أوكرانيا إلى غزة، ومن جنوب آسيا إلى البحر الأحمر، تتفكك قواعد النظام الدولي القديم، ويصعد نظام جديد بلا كوابح واضحة، يقوده منطق الهيمنة لا منطق التوازن، في مشهد يعيد طرح السؤال الأخطر: هل دخل العالم فعلاً مرحلة الحرب العالمية الثالثة بأسلوب عصري جديد دون أن يجرؤ أحد على تسميتها؟
من أوكرانيا كانت الشرارة الأولى
اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية لم يكن نزاعاً حدودياً عابراً، بل كسرٌ صريح لقواعد النظام الدولي التي تشكلت بعد الحرب الباردة. أعادت موسكو تعريف مفهوم القوة والسيادة، فيما أعاد الغرب تعريف العقوبات والاقتصاد كسلاح حرب طويل الأمد، لتبدأ مرحلة استقطاب حاد أنهت عملياً وهم الاستقرار الدولي.
في غزة جاء انفجار الشرق الأوسط الكبير
جاء السابع من أكتوبر ليكشف أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة نزاعات محلية، بل مسرح اختبار للنظام العالمي الجديد. حرب إسرائيل على غزة لم تكن مواجهة مع فصيل مسلح بقدر ما كانت محاولة لإعادة هندسة المنطقة: ضرب حماس، إنهاك حزب الله وتحييده، تفكيك الجغرافيا السورية، تحييد جبهة اليمن، وإعادة تموضع النفوذ في البحر الأحمر وشرق المتوسط، وسط صمت دولي شبه كامل.
حرب الساعات بين الهند وباكستان حروب بالوكالة
في قلب آسيا، حيث تتقاطع المصالح النووية والاقتصادية، شهد العالم معرض سلاح وبروفة حرب عالمية مصغّرة في المواجهة القصيرة بين الهند وباكستان. لم تكن تلك الساعات سوى استعراض عضلات محسوب بين قوتين نوويتين، أُدير بمنطق الرسائل لا بمنطق الحسم، موجهاً إشاراته إلى القوى الكبرى خلف المشهد. النتيجة لم تكن نصراً أو هزيمة، بل تثبيت جنوب آسيا كساحة مواجهة دولية بالوكالة، وترسيخ مفهوم “الضربات المحدودة عالية الرسائل”، وتعميق هشاشة نظام الردع العالمي.
نسخة جديدة من الشرق الأوسط الجديد!!!
تتغيّر خريطة التحالفات بوتيرة متسارعة تقارب سعودي–قطري في مواجهة تمدد إماراتي في السودان وغيرها من دول افريقيا، إعادة تموضع تركي–إيراني محسوب وحذر، ودخول إسرائيلي علني إلى العمق الإفريقي عبر ما يسمى "الصومال الجديدة" لتعزيز الوجود العسكري في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. نحن أمام شرق أوسط جديد يُرسم بالخرائط العسكرية لا بالمؤتمرات الدبلوماسية.
الفلسطينيون خارج معادلات العالم
وفي قلب هذا الزلزال الجيوسياسي، يقف الشعب الفلسطيني اليوم في موقعه الأشد قسوة: خارج حسابات الجميع تقريباً. ففي الضفة الغربية تتآكل الثقة بالسلطة الفلسطينية داخلياً وخارجياً، وتتراجع قدرتها على تمثيل مشروع وطني موحّد أو حتى حماية الحد الأدنى من الحقوق السياسية والاقتصادية. وفي غزة لم تترك الحرب سوى أنقاض بشرية وسياسية؛ دُمّرت حماس وتدمّرت معها البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع، ليجد الفلسطيني نفسه محاصراً بين ركام الحرب وغياب الأفق.
الواقع الفلسطيني لم يعد أزمة إدارة بل مأساة وجود سياسي: لا مشروع وطني جامع، ولا قيادة موثوقة، ولا ظهير دولي، ولا حتى موقع واضح على طاولة الترتيبات الإقليمية القادمة. وفيما يعيد دونالد ترمب توزيع خرائط العالم بمنطق المصالح المجردة، تمارس قيادات الاحتلال الإسرائيلي — نتنياهو وبن غفير وسموتريتش — الأسلوب نفسه على الفلسطينيين: إدارة صراع بلا حلول، تصعيد بلا حدود، وفرض وقائع بالقوة على شعب أعزل، في ظل صمت دولي يجعل من المأساة الفلسطينية تفصيلاً هامشياً في مشهد عالمي يتغيّر بسرعة وقسوة. الفلسطيني اليوم ليس طرفاً في الصراع الدولي القائم، بل ضحيته الأكثر كلفة.
عودة ترمب: الرئيس الذي لا يعترف بقواعد اللعبة
عودة دونالد ترمب الى البيت الابيض ليست عودة رئيس تقليدي، بل مشروع سلطة كاسح: صفقات غير مباشرة مع روسيا والصين، إعادة تعريف للعلاقات الدولية بلغة المصالح، ضغوط على فنزويلا، تهديدات لكوبا، ابتزاز علني للدنمارك بشأن غرينلاند، وتلميحات استراتيجية للصين بخصوص تايوان، ترمب اليوم يلوح بعصاه لدول العالم في ظل سمع وطاعة شبه مطلق من رؤساء هذه الدول.
العالم متعدد الأقطاب كذبة كبيرة القطب الواحد واقع نعيشه
لم يعد العالم متعدد الأقطاب كما يُروّج. نحن نتحول بهدوء مرعب إلى نظام قطب واحد يخطط ويقرر ويعيد تشكيل القارات السبع من المكتب البيضاوي، فيما تتراجع المؤسسات الدولية إلى دور الشاهد الصامت.
خلاصة القول حرب بلا إعلان
ما نعيشه ليس سلاماً هشاً، بل حرب عالمية صامتة: أدواتها اقتصادية، ساحاتها سياسية، نتائجها جيوسياسية، ووقودها دم الشعوب الضعيفة.
السؤال اليوم لم يعد: هل ستقع الحرب العالمية الثالثة؟
بل: هل نحن بالفعل داخلها… دون أن نمتلك حتى شجاعة الاعتراف بذلك؟