
بعد أسابيع من "الحرب" التي أعلنها بن غفير وتشنها قوات الشرطة وحرس الحدود والحرس القومي على النقب، والتي أوقعت شهيدًا وعشرات الجرحى والمعتقلين في قرية ترابين الصانع، حضر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو معززًا بوزير دفاعه يسرائيل كاتس ونائب القائد العام للجيش الإسرائيلي ورئيس "الشاباك" وسائر الطواقم العسكرية والأمنية والإعلامية المصاحبة له عند زيارة جبهات القتال في غزة وسورية ولبنان بكامل نطاقها، حتى بدا ما ينقص المشهد فقط هو اعتمار الخوذ الحربية والتسربل بالدروع الواقية من الرصاص.
نتنياهو حدد زيارته بهدف مركزي واحد قاله بصريح العبارة، وهو "استعادة النقب لدولة إسرائيل"، أو بلغة البيان الصادر عن مكتبه "تعزيز السيطرة على الأرض". هذا في حين أن الرسائل العملية التي تم نقلها من توقيت الزيارة وطبيعة الوفد الذي ضم كبار الأجهزة العسكرية والأمنية، كانت أكثر وضوحًا وصرامة وجاءت لتقول إن الحكومة الإسرائيلية بكامل هيئتها ومختلف أذرعها تقف من وراء "الحرب" التي يشنها بن غفير منذ أكثر من شهر على النقب، وأن الجيش و"الشاباك" وغيرها من القوات التي تنشغل بالقتال على جبهات أخرى في غزة ولبنان وسورية، جاهزة للتدخل في النقب أيضًا إذا لزم الأمر، وهو ما عبر عنه نتنياهو بقوله: "سننجح في استعادة السيادة على النقب مثلما نجحنا في سائر الأمور التي أخذناها على عاتقنا"، في إشارة إلى الجبهات الأخرى.
وإذا كان بعض السياسيين والمعلقين قد اعتبروا زيارة نتنياهو شكلًا من أشكال المزاودة على بن غفير ومحاولة لقطع الطريق عليه في قطف الثمار الانتخابية من "الحرب" على النقب منفردًا، وهو جانب لا نقلل من أهميته، ومعلوم أن المزاودة السياسية الداخلية وإطالة أمد حكمه كانا وما زالا بالنسبة لنتنياهو عاملًا مهمًا في تأجيج وإطالة أمد الحروب في غزة ولبنان وسورية وغيرها من الجبهات، لكن الجديد هو استحضار قادة الجيش والأجهزة الأمنية وإطلاق تصريحات "حربجية" تتعلق باستعادة السيادة الإسرائيلية وإعادة احتلال منطقة كانت قوات "الهاغاناة" قد احتلتها عام 48، وهي جزء من إسرائيل منذ 78 عامًا، والتهديد بإعلان الحرب على تجمع مواطنين يحملون الهوية الإسرائيلية منذ ثمانية عقود.
لقد قالوا إن "حرب" بن غفير على النقب التي استنسخ فيها أساليب القمع التي يجري استخدامها في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، من فرض حظر تجول على قرية كاملة وإغلاق شوارع لفترات متواصلة بواسطة المكعبات الإسمنتية، وتنفيذ اعتقالات عشوائية ومداهمات للبيوت وإطلاق القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع، والتي أسفرت حتى الآن عن شهيد وعشرات الجرحى والمعتقلين، قالوا إنها جزء من حملته الانتخابية، وها هو نتنياهو الذي وظف حتى الآن بنجاح الجيش والأجهزة الأمنية الواقعة تحت إمرته بصفته رئيسًا للحكومة في مواصلة تأجيج الحرب على مختلف الجبهات خدمة لمصلحته الشخصية والحزبية لأنها تتقاطع بشكل كامل، على ما يبدو، مع مصلحة إسرائيل ومع جوهر الصهيونية الاستعماري القائم على العدوان والتوسع والسيطرة على الأرض الفلسطينية والعربية.
وقد أشرنا في مقال سابق إلى أن بن غفير يبدأ من النقب ويوقظ جبهة نائمة، وأن الجبهة المذكورة التي تبدأ في النقب بصفته نقطة مواجهة ساخنة، ستمتد إلى المثلث والساحل والجليل أيضًا، ولكن وجب التأكيد بعد زيارة نتنياهو للنقب، أن الموضوع لا يقتصر على وزير مأفون وقوات القمع الواقعة تحت إمرته، رغم أن "حرب" بن غفير على النقب كانت قد حظيت بشبه إجماع إسرائيلي، بل أصبح موضوع حكومة وجيش وأجهزة أمنية و"استعادة سيادة"، فماذا يعني أن يصرح نتنياهو بأن حكومته ستستعيد سيادة إسرائيل على النقب بحضور نائب رئيس أركان الجيش، وفي غضون مواجهة تجري هناك منذ أكثر من شهر مع سكانه العرب الفلسطينيين؟
نتنياهو إذًا لم يحضر مع الجيش و"الشاباك" ليزاود على بن غفير فقط، بل لتعزيز بن غفير وتوجهه الصهيوني الديني الاستيطاني الساعي إلى تأجيج الصراع في كل الجبهات على طريق حسمه ويعتبر الداخل جبهة أساسية، وهو التوجه الذي يقود إسرائيل في هذه المرحلة.