خاص بـ"صدى نيوز": تشهد الساحة الاقتصادية في فلسطين نقاشاً متزايداً حول تعيين مسؤولين حكوميين أو يشغلون مناصب في مؤسسات عامة، بمن فيهم شاغلو مناصب عليا، في مجالس إدارة شركات المساهمة العامة. ويطرح هذا الواقع تساؤلات قانونية تتعلق بمدى مشروعية هذا التعيين، وحدوده وانعكاساته على مبادئ النزاهة والشفافية والحوكمة الرشيدة، وعلى الثقة في بيئة الأعمال والاقتصاد الوطني.
 
مسؤولون أعضاء في عدة مجالس إدارة  

وبعد اطلاع "صدى نيوز" على قوائم أعضاء مجالس الإدارة لبعض الشركات المساهمة العامة، تبين احتوائها على أسماء وازنة تعود لمسؤولين يشغلون مناصب رفيعة في بعض المؤسسات العامة، بل أن بعض تلك الأسماء تكرر وجوده  كعضو مجلس إدارة في عدة شركات. 

معظم الشركات تخصص آلاف الدولارات في الجلسة الواحدة كمكافاة لكل عضو مجلس الإدارة، إذ تبلغ قيمة المكافأة لعضو مجلس الإدارة عن الجلسة الواحدة 800-1000 دولار (بعضها يزيد عن ذلك وأخرى يقل)، مع العلم أن مجالس الإدارة للشركات تجتمع بحد أدنى ثماني مرات سنوياً.

يقول مختص في القانون التجاري فضل عدم الكشف عن اسمه لـ"صدى نيوز" إن قانون الشركات الفلسطيني لا يتضمن نصاً صريحاً يمنع تعيين مسؤول حكومي عضوا في مجلس إدارة شركة مساهمة عامة، طالما توافرت فيه شروط العضوية القانونية من حيث الأهلية وعدم وجود موانع جزائية أو قانونية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن القواعد العامة للوظيفة العامة، ولا سيما قانون الخدمة المدنية والأنظمة الصادرة بموجبه، تنص على "حظر الجمع بين الوظيفة العامة ومزاولة الأعمال التجارية"  كما تمنع الموظف العام من تولي أعمال مدفوعة الأجر خارج إطار وظيفته إلا بإذن مسبق، بالإضافة إلى الالتزام بالحياد الوظيفي وعدم استغلال المنصب.

وبناء عليه، يرى المختص القانوني أن تعيين مسؤول حكومي في شركة مساهمة عامة قد يشكل مخالفة تأديبية أو إدارية إذا كان المنصب مدفوع الأجر ودور إداري أو تنفيذي فعلي، وهذا يتم بدون موافقة الجهة المختصة لمنحه الموافقة.

ويعتقد المختص القانوني أن الممارسة المتمثلة في تعيين مسؤولين حكوميين في شركات المساهمة العامة تعاني من الإشكاليات الجوهرية، أبرزها: غياب معايير واضحة وشفافة للتعيين، والخلط بين الدور التنظيمي والدور الاستثماري، واحتمالية إضعاف استقلالية مجالس الإدارة، وتعريض القرارات الاقتصادية إلى شبهة النفوذ أو المحاباة، منوهاً إلى أن  حتى في الحالات التي يكون فيها التعيين قانونيا من حيث الشكل، فإنه قد يفتقر إلى المشروعية من حيث الغاية.

المطالبة بلائحة تنظيمية..
   
وأوصى المختص القانوني بضرورة إصدار تشريع أو لائحة واضحة تنظم حالات تعيين المسؤولين الحكوميين في الشركات، مطالباً بحظر تعيين أي مسؤول حكومي في شركة تخضع لرقابة الجهة التي يعمل بها، وإلزام الإفصاح الكامل عن المصالح و الذمم المالية، وقصر التمثيل الحكومي في الشركات على حالات الملكية العامة وبقرار رسمي، واعتماد معايير الحوكمة الدولية لضمان استقلالية مجالس الإدارة، بالإضافة إلى تحديد آلية توزيع الأرباح بالنسبة للعضو ومكافأة عضوية المجلس من خلال تحديد إن كانت تعود للمؤسسة الحكومية أو للعضو المعين وتوضيح نسبه المبالغ التي يستحقها العضو.

تضارب مصالح تحت عباءة "المنفعة"

من جهته، يشير الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري لـ"صدى نيوز" إلى أن الجدل يثار حول تعيين مسؤولين حكوميين في مناصب عليا كأعضاء في مجالس إدارة شركات مساهمة عامة فمنهم من يراه عامل دعم للاقتصاد، وهناك من يعتبره مدخلًا لتضارب المصالح.

ويضيف" نظريًا، قد يُبرَّر هذا التداخل باعتباره وسيلة لنقل الخبرة التنظيمية، وتحسين فهم الشركات للسياسات العامة، وتسريع قنوات التواصل مع الجهات الرسمية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية. غير أن هذه الإيجابيات تبقى افتراضية ومحدودة الأثر، ولا تتحقق إلا في بيئات مؤسسية عالية الانضباط والشفافية".

ويؤكد د. صبري أنه من الناحية العملية تُظهر التجارب الاقتصادية المقارنة أن الكلفة المحتملة لهذه الممارسة غالبًا ما تفوق منافعها. فوجود مسؤول حكومي يمتلك تأثيرًا تنظيميًا أو تشريعيًا داخل مجلس إدارة شركة ربحية يخلق تضارب مصالح بنيويًا، حتى في غياب نية الفساد أو الاستفادة الشخصية المباشرة. هذا التضارب لا يُقاس فقط بمخالفة القانون، بل بتأثيره على عدالة السوق وسلامة المنافسة.

تشويه آليات السوق

أما من الناحية الاقتصادية، فيرى صبري أن هذا التداخل يؤدي إلى تشويه آليات السوق، حيث تميل الموارد والاستثمارات إلى التوجه نحو الشركات الأقرب إلى مراكز القرار بدلًا من تلك الأكثر كفاءة أو قدرة على الابتكار. كما يضعف ذلك ثقة المستثمرين، لا سيما الجدد والصغار، الذين ينظرون إلى السوق بوصفه محكومًا بالعلاقات لا بالقواعد. ومع تراجع الثقة، ترتفع كلفة المخاطر المؤسسية، وينخفض الاستثمار طويل الأجل، وهو ما ينعكس سلبًا على النمو والتشغيل.

إضافة إلى ذلك، يقول صبري إن الجمع بين الموقعين يحدّ من استقلالية مجالس الإدارة، ويُضعف دورها الرقابي، ويحوّلها في بعض الحالات إلى امتداد غير مباشر للسلطة التنفيذية، ما يتعارض مع جوهر الحوكمة الرشيدة القائمة على الفصل بين السلطات وتوازن المصالح، مؤكداً أن الممارسات الدولية الفضلى تجمع على ضرورة الفصل الواضح بين الوظيفة العامة والنشاط التجاري، أو على الأقل تقييد هذا الجمع بضوابط صارمة تشمل الإفصاح الكامل، ومنع المشاركة في أي قرارات حكومية تمس الشركة أو القطاع، وفرض فترات تبريد بعد مغادرة المنصب العام.

ويخلص صبري إلى القول إلى أن  الاقتصاد السليم لا يقوم على تداخل النفوذ السياسي مع رأس المال، بل على مؤسسات مستقلة، وقواعد شفافة، ومنافسة عادلة.

وكلما ضعفت هذه القواعد، تحمّل الاقتصاد كلفة أعلى يدفع ثمنها المستثمر والمواطن على حد سواء.

ماذا يقول قانون الشركات؟

يوضح مؤيد عفانة الخبير بالحوكمة الاقتصادية لصدى نيوز أن قانون الشركات الجديد للعام2021 نص فيما يتعلق بحوكمة مجالس الإدارة في الشركات الخاصة، وانفاذ مبدأ منع تضارب المصالح، على الالتزام بمعايير الحوكمة في الشركات، وهي مجموعة من المعايير والقواعد والإجراءات المتعارف عليها دوليًا، والتي يتم بموجبها إدارة الشركة والرقابة عليها، وتنظيم العلاقات بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية للشركة والمساهمين وأقلية المساهمين والأطراف ذوي المصالح المرتبطة بها، وذلك ضمن الأطر التنظيمية والإدارية والقانونية والمالية التي تحدد الحقوق والواجبات والمسؤوليات وبما يحقق الانضباط المؤسسي في الشركة.

وتبعا للممارسات الفُضلى المتبعة في دول العالم، وضمن الفكر الإداري المبني على الحوكمة الرشيدة، يؤكد عفانة ضرورة إقرار نظام منبثق من قانون الشركات يوفر محددات للشروط الواجب توفرها في أعضاء مجالس الإدارة، من أجل انفاذ مبدأ عدم تضارب المصالح، لدى الأعضاء، لا سيّما إذا كانوا يشغلون مناصب عليا في مؤسسات رسمية أو خاصة او أهلية ذات صلة بالشركات. 

مبادئ السوق الحر 

يقوم النظام الاقتصادي في فلسطين على مبادئ الاقتصاد الحر وفق المادة 21 من القانون الأساسي في فلسطين، ويحق إنشاء الشركات بفلسطين وفق قرار بقانون رقم (42) لسنة 2021 بشأن الشركات لسنة 2021، بكافة أنواعها الشركة العادية العامة والمحدودة والشركة المساهمة الخصوصيه والمساهمة العامة، وهناك أنواع أخري كالشركة المدنية والأجنبية والقابضة. ومما يترتب عليه وفق القانون ممارسة أعمال الشركات المساهمة العامة والتي منها مدرج ببورصة فلسطين وأسهمها قابلة للتداول العام، ومنها غير مدرج بالبورصة.

ويعتبر المرجع القانوني لإنشاء الشركة المساهمة العامة هو قرار بقانون رقم (42) لسنة2021 بشأن الشركات، بالإضافة إلى مجموعة القوانين الأخرى المكملة كقانون المصارف للقطاع المصرفي وقانون التأمين لقطاع التأمين وغيرها من القوانين، والأهم هو ما يترتب على أعمال الشركة وغايتها وسياسات إدارتها من الهيئة العامة ومجلس الإدارة والصلاحيات المالية والإدارية وآليات العمل لإدارة الشركة وفق عقد التأسيس والنظام الداخلي للشركة.

يبلغ عدد الشركات المساهمة العامة المدرجة في بورصة فلسطين (48) شركة، تعمل في بيئة استثمارية معقدة بسبب واقع فرضه الاحتلال، لكن المراقبين والمختصين يؤكدون  أن تعزيز بيئة الاستثمار والحوكمة في فلسطين يقتضي الفصل الواضح بين السلطة العامة والمصالح التجارية، وضمان ألا تتحول المشروعية الشكلية إلى غطاء لممارسات تمس جوهر النزاهة والمصلحة العامة، وأن يتم التعيين في مجلس الإدارة للشركات المساهمة العامة وفق آليات قانونية واضحة وصريحة.