السؤال الأكثر تردداً في اليومين الماضيين على جميع وسائل الإعلام كان منصباً حول توقعات الكتاب والمحللين السياسيين للعام 2026 وأحداثه، ومحاولة استكشاف الأحداث المتخيلة أو تنبؤ السيناريوهات للعام القادم؛ فقد غرق البعض بالتوقعات لرسم معالم الطريق أو تكوين فكرة عما قد يحدث في المستقبل معتمدين على الحدس أو الخبرة أو المعلومات المتاحة. في المقابل انخرط البعض الآخر بالتنبؤ لرسم السيناريوهات المتعددة معتمدين على استخدام المعلومات المتاحة حاليًا لتقدير أو تخمين ما قد يحدث في المستقبل. 

في ظني أنّ التوقع في رسم الأحداث غير ممكن مع وجود متغيرات متعددة غير متحكم بها ومصالح متناقضة مربطة بسلوك الدول من جهة، والزعماء المحركين للسياسة الداخلية من جهة ثانية، والأشخاص "المتنفذين" المؤثرين فيها من جهة ثالثة، وسلوك الأفراد العاديين من جهة رابعة، وهي في المجمل لها مؤثرات غير محدودة في تطور الأحداث أو محددة في رسمها مما يدخل في باب الرغبويات والتنجيم. لكن التنبؤ ورسم السيناريوهات لا يقوم على العلم والمعلومات فقط، بل يفتح باب "العقل" التفكير أمام الآخرين من ناحية، ويساعد على خلق فرص للآخرين لتوزينها من ناحية ثانية، وإعادة رسمها بما يطلع عليه من معلومات أو فهم عقلي من ناحية ثالثة.

إنّ الإجابة عن أسئلة بداية العام تتطلب الكثير من التبصر والحكمة والتفكير كي لا تضع المواطنين في تصورات تعمق خيبات أملهم، أو تُظلم لهم أيامهم، أو تذهب بهم لوهمٍ يلحق بهم ناجم عن شطحات أيديولوجية لتلبية رغبات سياسية أو شخصية. فعلى مدار العامين الماضيين تحدث سياسيون عن إمكانية الانتصار في المعركة عسكرياً، وإنّ كان هذا الأمر مقبولاً من السياسيين لكنها غير مقبولة من الكتاب والمحللين السياسيين والعسكريين الذين انساقوا وراء رغبويات وسائل إعلام مأذلجة أو مسيّسة أرادت أحيانا زيادة المشاهدة لشاشتها، أو تملق نظام الحكم في بلدانها أو إصدار أحكام أصحابها على الفلسطينيين. أو انساقوا وراء انتماءاتهم الحزبية لحصل الانتصارات الوهمية أو وراء عداوتهم الحزبية.      

تظهر تحديات الواقع الفلسطيني صموداً اسطورياً للشعب الفلسطيني أو الطبقات السفلى منه؛ وهو ليس وحي من خيالات السياسيين وهرطقاتهم بل هي حتمية تاريخية أثبتتها تجارب الشعوب المُستعمرة، وتجربة الفلسطينيين في قطاع غزة في عامي الجمر والقهر والموت. فيما مشكلة الفلسطينيين تاريخياً تكمن في غياب قدرة قيادتهم على توحيد جهودهم المبعثرة، ورؤاهم المختلفة، وتأثير مصالح المتنفذين لديهم المتناقضة.