في الشرق الأوسط تبدو الخرائط القديمة التي رسمها برنارد لويس وكأنها تعود للحياة لم يعد الحديث عن تقسيم المنطقة مجرد همس في الصالونات السياسية بل أصبح واقعاً ملموساً : دول تتفتت، جيوش تُستنزف، وساحاتنا تتحول إلى حلبات يُجبر فيها الواحد منا على القتال ضد الآخر بينما القوى الخارجية تراقب بعين باردة تراهن على المنتصر دون أن يهمّها من يبقى حيًا أو يُقتل.
سوريا تُظهر الصورة الأوضح لهذا الواقع عقد من الحرب مزّق البلاد وجعلها موزعة بين النظام والمعارضة والأكراد برعاية أمريكا وأعوانها من العرب والأوروبيين فيما تذكّرنا احتجاجات السويداء بأن الطائفية ما زالت أداة جاهزة للتقسيم: علويون على الساحل، أكراد في الشمال الشرقي، سنة في دمشق وحلب ودروز في جبل الشيخ وجبل الوسطى ومدينة السويداء والمناطق المحيطة بها هنا تُرسم خريطة جديدة بالدم والدموع حيث تصبح الانقسامات الطائفية والعرقية جزءاً من لعبة كبرى تُفرض من قوى خارجية تسعى لتفتيت الدولة وفرض سيطرتها على الأرض والموارد.
لبنان المثقل بانهياره الاقتصادي وصراعاته الداخلية يبدو أنه يُدفع مجدداً نحو صراع طائفي ثلاثي ، الضغوط المستمرة لنزع سلاح حزب الله ليست مجرد خطوة تقنية بل محاولة لإضعاف المقاومة وتفكيك ركائز الدولة إذا تم سحب السلاح قبل زوال الخطر الإسرائيلي فإن ذلك سيسهّل لإسرائيل احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية وربما الوصول إلى نهر الليطاني إن لم تحتل او تتحكم في كامل البلاد و اشعال الاقتتال الداخلي الدامي الذي سيدمر لبنان تماماً لذلك نقول السلاح الوطني يجب أن يبقى في يد الدولة فقط بعد ضمان سيادتها الكاملة و زوال الخطر الاسرائيلي وليس أداة لتحقيق أهداف خارجية.
وفي مصر يبقى الجيش صمام أمان الدولة لكنه لم ينجُ من محاولات الاستهداف خصوصاً في سيناء ، قوة الجيش كانت دائماً مصدر قلق لإسرائيل وحلفائها الغربيين ما يجعل أي تقويض له جزءاً من معادلة تهدف لتفكيك ركائز الدولة ومنعها من لعب دورها الإقليمي التاريخي.
فلسطين هي المثال الأكثر وضوحاً لخطة التقسيم ، إسرائيل تسابق الزمن في منطقة E1 شرق القدس لبناء مستوطنات تعزل شمال الضفة عن جنوبها وتحول القدس إلى جيب مغلق تتحقق بهذا رؤية “الكانتونات المعزولة” ويصبح حلم الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافياً أقرب إلى وهم بل مستحيل ومع حق المقاومة المكفول بالقوانين الدولية يُظهر الواقع الحالي التفوق الأمريكي والإسرائيلي إضافة إلى رغبة نتنياهو في إشعال الحروب لتحقيق مصالحه وأطماعه التوسعية نحو مشروع “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات” لذلك أي مواجهة مسلحة مباشرة في الوقت الحالي هي دخول في مربع نتنياهو و أفكاره العنصرية و تحمل مخاطر جسيمة وتتطلب استراتيجيات مقاومة مدروسة تحمي الشعب والأرض وتمنع استغلال الصراع لأهداف خارجية و اي خيار عسكري يجب ان يكون بقرار عربي إسلامي جامع .
كل هذه الأحداث ليست صراعات عشوائية بل امتداد لسياسات استعمارية بدأت منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى حين قسمت القوى الكبرى المنطقة وفق معادلة “فرق تسد” لضمان السيطرة على النفط والمياه والموانئ ، خطة برنارد لويس لم تولد من فراغ بل جاءت كترجمة فكرية لمشروع تاريخي يسعى لشرق ضعيف ومجزّأ.
ورغم كل هذا يبقى صوت المقاومة حاضراً من الحركات الوطنية في فلسطين وسوريا إلى التحالفات الإقليمية هناك إرادة تحاول كسر المخططات الكبرى ، شعوب المنطقة رغم الأزمات لم تفقد القدرة على التمسك بوحدتها ورفض التحول إلى بيادق في لعبة الآخرين.
لكن الواقع يظل قاسياً : شعوب المنطقة أحياناً تتحول إلى أدوات في صراعات مصطنعة يقاتل الواحد منهم الآخر بينما القوى الخارجية تراهن على المنتصر دون اعتبار للحياة أو الكرامة ، الانقسامات الطائفية والعرقية—شيعة وسنة، مسيحيون ومسلمون، دروز وبدو—ليست صدفة بل أدوات مدروسة لتفتيتنا ، أصبح الصراع جزءاً من حياتنا اليومية حتى صرنا نعيش الانقسامات بوعي أو بلا وعي وننغمس في صراعات داخلية تُلهينا عن مواجهة القوى التي تسعى لفرض سيطرتها.
المنطقة تسير على خط متوتر بين مشاريع التفكيك من جهة وإرادة شعوبها في الصمود والوحدة من جهة أخرى ، فلسطين تظل مثالاً حياً على هذه المقاومة وتذكّرنا بأن الإرادة الشعبية قادرة على مواجهة الخرائط المفروضة والخطط الاستعمارية القديمة والسؤال الذي يلوح في الأفق: هل ستُكتب الفصول الأخيرة من خطة التفتيت أمام أعيننا أم ستنجح شعوب الشرق الأوسط في إعادة صياغة تاريخها بيدها لتصبح الخرائط مرآة لإرادتها وحريتها؟
توصيات للنهوض بالمواجهة والاستجابة للتحديات:
• تعزيز الوحدة الوطنية والإقليمية والتركيز على ما يجمع الشعوب بدل الانقسامات الطائفية والعرقية مع حوار داخلي مستمر لتقوية اللحمة الاجتماعية والسياسية وان يكون قرار الحرب او السلم قرار جماعي .
• نشر الوعي حول أهداف التدخلات الأجنبية وخطط التفتيت التاريخية لتفادي الوقوع في شراك الفتن المفروضة.
. إبقاء السلاح في يد الدولة يجب أن يكون مشروطاً بضمان زوال التهديدات الإسرائيلية مع منع استخدامه كوسيلة لإضعاف المقاومة أو كأداة لتحقيق أهداف خارجية تخدم السيطرة الإسرائيلية على الأرض والشعب من الفرات إلى النيل
• احترام حق المقاومة القانوني لكن مع مراعاة الواقع العسكري الحالي والتفوق الأمريكي والإسرائيلي ووضع استراتيجيات مقاومة ذكية تمنع استغلال الصراع لأهداف خارجية.
• حماية الجيش الوطني للدولة والأجهزة الأمنية المدنية بوصفها ركائز أساسية لاستقرار الدول بعيداً عن محاولات التفكيك والسيطرة الخارجية.
• تطوير تحالفات اقتصادية وسياسية تعزز القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية وتحمي الموارد الوطنية من الاستنزاف.
• دعم المبادرات الوطنية السلمية والمقاومة المشروعة التي تحافظ على الحقوق والسيادة وربط الجهود المحلية بمطالب التنمية والعدالة الاجتماعية.