رئيس التحرير: كثيرة هي المحطات المفصلية التي مرت بها القدس والمسجد الأقصى، وكثيرة أيضاً الخطط الإسرائيلية التي استهدفته تاريخياً وعقائدياً وحتى في بنيانه، فأُحرق وأغلق وحفرت الأنفاق تحته، ليصل إلى مرحلة بات فيها الوجود المادي لقبة الصخرة والمصلى القبلي مهدداً، وفي كل ضربة تتعرض لها القدس تقوم الدنيا، يرتقي الشهداء، تندلع المواجهات، تنطلق الصواريخ، فندفن شهداءنا، ونمسح دموعنا، ويظل الواقع الإسرائيلي هو نفسه!

آخر المنعطفات التي تمر بها مدينة القدس ومسجدها الأقصى ما بات يعرف بالصلاة الصامتة للمستوطنين التي شرعنتها محكمة إسرائيلية، ما يعني أن التقسيم الزماني والمكاني للأقصى يسير على قدم وساق، تماماً كما في المسجد الإبراهيمي في الخليل، وربما بصورة أفظع..

لا يظنّ أحد أن المستوطنين لم يكونوا يقيمون صلواتهم في الأقصى قبل هذا القرار، بل كان أمراً شبه يومي، فمع كل اقتحام كانت تردد الصلوات التلمودية، الجديد في الأمر نظرة التشريعات والقوانين الإسرائيلية لهذا الأمر، والتنكر الإسرائيلي الكامل للاتفاقيات مع الأردن فيما يتعلق بوضع القدس والأماكن المقدسة.

الخشية الكبرى مما يجري هي أن تمر هذه الجريمة كسابقاتها، زوبعة في فنجان وتُقلب الصفحة! فلا الوضع الفلسطيني ولا العربي ولا الإسلامي ولا الدولي في وضع صحي، بل إن القضية الفلسطينية فقدت حاضنتها وداعمتها العربية، جزء من العرب طبع، جزء آخر ينتظر دوره، والبقية تخاف غضب البيت الأبيض، أو أنها منشغلة في أمورها وأزماتها الداخلية!

ليس للفلسطيني اليوم وهو يقاتل نيابة عن 2 مليار مسلم إلا نفسه، ليس له ظهر إلا ظهر أخيه. هذا ما يجب على الفلسطيني أن يفهمه، فبقاء الانقسام سبب كل مأساة، ومدخل كل مصيبة تتعرض لها القضية ومقدساتها وثوابتها.

ليس مطلوباً من الفلسطينيين إلا أمراً واحداً، وهو استعادة الوحدة، هذا الأمر الوحيد هو العلاج لكل ما أصاب الجسد الفلسطيني من أمراض، وهو الباب الوحيد لصد كل مؤامرة تحاك ضد مقدسات الشعب وعاصمته الأبدية، غير ذلك لن يكون سوى غضب عابر، و"طوشة عرب".

اسرائيل منذ نشأتها تعمل على تغيير الواقع وتزوير التاريخ لتعزيز وجودها وإنهاء أي احتمال لوجود دولة فلسطينية، استمرار للاستيطان وتهويد للعاصمة الفلسطينية القدس وتكثيف الاستيطان فيها ومصادرة الاراضي والبيوت وفرض الضرائب العالية ومنع البناء للفلسطينيين وإجراءات اخرى كلها تخدمهم في طرد السكان الاصليين وتهجيرهم، فيما لا يزال الفلسطينيون منشغلين في انقسامهم وغياب غططهم واستراتيجيتهم.

بدأت إسرائيل في حائط البراق واستمرت باعتباره جزءاً من ديانتها رغم قرار "لجنة شو" التي شكلتها عصبة الامم عام 1930 على إثر ثورة 1929 والتي كانت أسبابها محاولة اليهود اعتبار حائط البراق مُلكاً لهم لاقامة صلاتهم هناك، حيث اقرت اللجنة ان حائط البراق مُلك للمسلمين ولا يحق لليهود التصرف به أو حتى وضع خيمة او  كرسي أو نفخ البوق (القرون) في محيطه.

الشعب الفلسطيني أشعلها حرباً في ثورة البراق وتلاها ثورات وآخرها الحرب التي نشبت بسبب سياسة الابرتهايد والعنصرية ضد أهالي الشيخ جراح، حيث خرجت القدس عن بِكرة أبيها وأشتعلت حرب الصواريخ من غزة لى ان توقف تنفيذ طرد السكان من منازلهم في الشيخ جراح.

واجب القيادة الفلسطينية إعلان الاستنفار وأن تبقى في حالة انعقاد دائم والتواصل مع الأمة العربية والإسلامية وعقد قمة إسلامية وقمة عربية وأن تجتمع قيادات الفصائل لوضع برنامج للمواجهة لهذا القرار الخطير.

الخطورة تكمن في أن يقوم أحد المتطرفين اليهود بارتكاب مجزرة داخل المسجد الأقصى كما حدث في المسجد الإبراهيمي، حيث أن قرار المحكمة الاسرائيلية بالسماح بالصلاة الصامتة لليهود داخل باحات الاقصى يجعلها ساحات اشتباك يومي فلسطينية إسرائيلية.

الرهان كبير على الأردن صاحب الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس، ليبطل مخططات إسرائيل، وليضغط في سبيل عودة الأمور إلى طبيعتها.

الداخل الفلسطيني والذي معظمه من حماة القدس والمرابطين فيها سيشتعل مجدداً كما حدث في معركة الشيخ جراح.

كل هذا والعالم صامت واسرائيل خارج قرارت المجتمع الدولي بل وتجر المنطقة لحرب دينية وتُنهي أي فرصة للسلام، وما تشير له الممارسات الإسرائيلية والتي نشاهدها بشكل يومي من تغيير للواقع وبناء المستوطنات وتوسيعها محاولات ظاهرة وعلنية لإنهاء الوجود الفلسطيني، فهل سننتظر عاماً قادماً آخر لكي نسحب الاعتراف بإسرائيل واتخاذ خطوات على الأرض بانتفاضات شعبية يشارك فيها كل أطياف شعبنا؟