الفاسدون… آخر إنذار قبل السقوط
مقالات

الفاسدون… آخر إنذار قبل السقوط

ليس كل خطر يهدد الأوطان يأتي من خلف الحدود، فهناك أخطار تنمو في الداخل وتتغذى على النفوذ وتختبئ خلف المناصب، وتستنزف طاقة الشعوب ومستقبلها بصمتٍ قاتل. وإن كان الاحتلال قد سلب من شعبنا الكثير، فإن الفساد كان وما زال أحد أخطر الأعباء التي أثقلت كاهل الفلسطينيين وأرهقت مؤسساتهم وأوجعت ضميرهم الوطني.

الفاسد لا يسرق المال فقط.

الفاسد يسرق الفرصة من مستحقها.

يسرق الحلم من عيون الشباب.

يسرق الثقة من قلوب الناس.

ويسرق هيبة المؤسسة التي وجدت لخدمة الشعب لا لخدمة المتنفذين.

ومن أكثر مشاهد الفساد استفزازًا أن يتحول المنصب العام إلى ملكية خاصة، وأن يقتنع البعض أن الكرسي حق أبدي، وأن المؤسسة لا يجوز أن تتحرك إلا بإذنه، ولا أن تتغير إلا بموافقته، ولا أن تستقبل قيادة جديدة إلا إذا اختار بنفسه من يخلفه.

وكأن فلسطين عقار خاص.

وكأن المؤسسات إرث عائلي.

وكأن الشعب مجرد متفرج على ما يجري باسمه.

لا والله…

لا والله وألف لا والله…

لا والله ومليون لا والله…

فلسطين أكبر من كل المناصب.

وأكبر من كل الكراسي.

وأكبر من كل من يعتقد أن بقاءه في الموقع أهم من مصلحة الوطن.

لقد تعلم الفلسطينيون من تاريخهم الطويل أن الأشخاص يرحلون وتبقى فلسطين، وأن المواقع تتغير وتبقى المؤسسات، وأن الشعوب الحية لا تسمح لأحد أن يحتكر مستقبلها أو يصادر حقها في التغيير والتجديد والمحاسبة.

لقد صبر هذا الشعب كثيرًا.

وصبر أكثر مما ينبغي.

وصمت أحيانًا حفاظًا على الاستقرار.

وتحمل أحيانًا حفاظًا على المؤسسات.

لكن لا أحد يجب أن يخطئ في فهم هذا الصبر.

فالصبر ليس غفلة.

والهدوء ليس ضعفًا.

والاحترام ليس خوفًا.

والشعب الفلسطيني يعرف جيدًا كيف يميز بين من يخدم الوطن ومن يستخدم الوطن لخدمة مصالحه الخاصة.

واليوم، لم تعد الأصوات المطالبة بمواجهة الفساد تقتصر على النخب أو الكتاب أو المتضررين، بل باتت حالة وطنية واسعة تتجذر في الشارع الفلسطيني، وتحديدًا في رام الله، حيث تتعاظم القناعة بأن حماية المشروع الوطني تبدأ من حماية المؤسسات وتحصينها من الفساد.

وفي الأوساط الوطنية والتنظيمية، يزداد الإيمان بأن المعركة القادمة يجب أن تكون معركة نزاهة وعدالة ومساءلة، وأن أي موقع عام يجب أن يبقى خاضعًا للقانون ولإرادة المؤسسة، لا لإرادة الأفراد مهما كانت مواقعهم.

وفي أطر رام الله التنظيمية والوطنية، يتنامى شعور واضح بأن زمن التعايش مع الفساد قد انتهى، وأن مرحلة جديدة يجب أن تقوم على المحاسبة والتجديد وفتح الأبواب أمام الكفاءات الوطنية القادرة على خدمة الناس وحماية المؤسسات.

فالرسالة التي تتردد في كل مكان أصبحت واضحة:

لا أحد فوق القانون.

لا أحد أكبر من المؤسسة.

لا أحد يملك حق احتجاز موقع عام أو تعطيل عملية التجديد والتطوير.

والرسالة أوضح لكل من يظن أن الزمن توقف عند لحظة وصوله إلى منصبه:

المنصب تكليف لا تشريف.

والموقع مسؤولية لا ملكية.

والكرسي لا يمنح حصانة أخلاقية أو وطنية لأحد.

أما الرئيس محمود عباس، فقد كان دائمًا يؤكد أن الدولة الفلسطينية المنشودة يجب أن تقوم على سيادة القانون واحترام المؤسسات ومكافحة الفساد وتعزيز مبدأ المساءلة، لأن قوة النظام السياسي لا تقاس بعدد المسؤولين، بل بقدرة المؤسسات على التجدد والاستمرار وخدمة المواطنين.

ولهذا فإن الفلسطينيين الذين قدموا الشهداء والأسرى والجرحى من أجل وطن حر وكريم، لن يقبلوا أن تتحول مؤسساتهم إلى أدوات لخدمة المصالح الخاصة أو حماية النفوذ أو تعطيل التغيير.

إن زمن الصمت يتراجع.

وزمن المساءلة يقترب.

والوعي الشعبي يتسع.

وكل من يعتقد أن الناس لا ترى أو لا تعرف أو لا تتابع، يعيش خارج الواقع.

الفاسدون تحت رقابة الشعب.

وتحت رقابة الشرفاء.

وتحت رقابة التاريخ.

وكل يوم يمر يضيف صفحة جديدة إلى سجل الحساب.

لذلك فإن الطريق الأسلم والأكثر حكمة هو احترام القانون، واحترام مبدأ التداول، واحترام حق المؤسسات في التجدد، واحترام إرادة الشعب الذي لم يعد يقبل أن تبقى المواقع العامة أسيرة الأشخاص.

ارحلوا بهدوء إن كان في قلوبكم شيء من المسؤولية.

افسحوا المجال للكفاءات.

أعيدوا للمؤسسات روحها.

وأعيدوا للناس ثقتهم.

ففلسطين لا تتوقف عند أحد.

وفلسطين لا تختصر بشخص.

وفلسطين أكبر من الجميع.

أما الذين يظنون أن الكرسي هو الوطن، فسيكتشفون متأخرين أن الوطن باقٍ… وأن الكرسي هو أول الراحلين.

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.